قبل أيام قليلة دعا رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية إلى التهدئة والوقف المتبادل لكل العمليات العسكرية من أجل الخروج من الأزمة الراهنة. هذه الدعوة أتت بعد مرور حوالي أسبوعين من العدوان الإسرائيلي المتواصل على الشعب الفلسطيني.

وأكد هنية على ضرورة إنهاء إسرائيل لعملياتها العسكرية في قطاع غزة وسحب قواتها إلى خارج القطاع، مشدداً على أن الخروج من الأزمة الراهنة يستدعي بذل جهود أكبر من كل الأطراف لوقف العدوان الإسرائيلي وحل قضية الجندي الإسرائيلي من خلال عملية تفاوضية جادة.

كما ذكر إن الحكومة الفلسطينية معنية بحل هذه القضية بطريقة دبلوماسية وهادئة بعيداً عن أية ضغوط او تصعيد عسكري، مشدداً على أن قضية الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين شكلت دوماً جرحاً وألماً لكل بيت فلسطيني وأنه من الضروري على المجتمع الدولي أن يفتح عينيه على مأساة الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين.

تزامنت هذه الدعوة مع مرور عامين على صدور قرار من محكمة العدل الدولية في لاهاي يؤكد فيه عدم شرعية جدار الفصل ويدعو إلى إزالته ودفع تعويضات إلى الفلسطينيين الذين يتضررون من بنائه. الجدير بالذكر أن إسرائيل لم تأخذ به وواصلت البناء والتهام المزيد من الأراضي الفلسطينية وإخراج أكبر عدد من المواطنين بمن فيهم الآلاف من أبناء القدس الشريف الذين أبقاهم الجدار خارج حدود مدينتهم. والسبب هو لأن لإسرائيل قانونها الخاص الذي تفرضه قوتها، ولأن لها السند السياسي القوي وهو الولايات المتحدة.

المهم أن دعوة هنية تأتي من وسط غبار ومعاناة ودمار ودماء المعركة، وهو تطور سياسي كبير الأهمية. فالرئيس هنية من كبار قادة حماس، ودعوته إنما تعبر عن تغيير في موقف الحركة التي أعلنت انتهاء التهدئة بعد اغتيال القائد جمال أبو سمهدانة.

وهذه الدعوة تأتي في إطار الموقف المتأزم والخطير في فلسطين المحتلة عامة وفي قطاع غزة خاصة، الأمر الذي جعل الحكومة الفلسطينية تتحمل مسؤولياتها وتقدم هذه المبادرة للخروج من المأزق الذي تقع فيه المنطقة بأسرها والعودة إلى مربع التهدئة ومن ثم انسحاب القوات الإسرائيلية ووقف إطلاق النار، وبالتالي البحث في قضية الجندي الأسير عبر الحلول السياسية والدبلوماسية.

والمبادرة كما صدرت عن الرئيس هنية تنص على ما يلي:

أولاً: عودة الجميع إلى مربع التهدئة على أساس الوقف المتبادل لكل العمليات العسكرية.

ثانياً: إنهاء إسرائيل لعملياتها العسكرية خاصة الاجتياحات والاغتيالات والاعتقالات وسحب قواتها خارج قطاع غزة.

ثالثاً: الإفراج عن جميع وزراء الحكومة الفلسطينية ونواب المجلس التشريعي.

رابعاً: البدء برفع إجراءات الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني بما يشمل فتح المعابر أمام المسافرين وحركة التجارة.

خامساً: استئناف المفاوضات بخصوص الجندي الإسرائيلي الأسير والتوصل إلى حل مناسب.

إن هذه المبادرة المدروسة والمنطقية تأتي انطلاقاً من رؤية الحكومة الفلسطينية وتلبية لتطلعات غالبية الشعب الفلسطيني الذي يسعى جاهداً لتحرير أسراه وتهدف إذا ما أمعنا النظر فيها إلى تحقيق المصلحة الوطنية للشعب الفلسطيني وتعزيز الوحدة الوطنية وحماية المكتسبات التي حققها الشعب الفلسطيني خلال مسيرته الطويلة

وضمان وجود عمل جاد لوقف العدوان العسكري الإسرائيلي وتوفير كل مقومات الحماية والحياة الكريمة.

كما أنها تأتي لتراعي مبدأ المبادرات الإقليمية والدولية بهذا الخصوص وتمشياً مع رغبة دول المنطقة وخارجها بضرورة التوصل إلى حل منصف لاسيما وأن الشعب الفلسطيني هو الضحية الوحيدة في هذا الصراع غير المتكافئ عسكرياً واقتصادياً.

لكن إسرائيل كما هي دائماً أعلنت بشكل صريح أنها ليست معنية بالتهدئة ولا في شيء سوى ما تعتقده أنه الأفضل لها، وهي ترى أن استخدام القوة الساحقة في قطاع غزة هو الأنسب. وبناء عليه رفض ايهود أولمرت مبادرة الحكومة الفلسطينية وأكد أن إسرائيل لن توقف إطلاق النار حتى تفرج حماس عن الجندي الأسير في قطاع غزة، وهذا دليل قوي على أن حكومة إسرائيل تفضل ممارسة سياسة القتل العشوائي والعقاب الجماعي ضد الشعب الفلسطيني.

لكن المثير للانتباه تجسد في موقف الإسرائيليين تجاه الأزمة الراهنة. فقد أظهر استطلاع للرأي نشرته صحيفة معاريف في إسرائيل قبل حوالي أسبوع أن الأغلبية العظمى من الإسرائيليين وصلت 82 في المئة يعتقدون أن على الدولة اليهودية اغتيال قادة حماس الحاكمة بسبب الأزمة القائمة في غزة لأنهم يحملون حماس مسؤولية خطف جندي إسرائيلي يوم 25 يونيو ومسؤولية الهجمات الصاروخية التي تعرضت لها إسرائيل مؤخراً.

من جانب آخر، تلقى العشرات من جنود الاحتياط في سلاح الطيران وسلاح الهندسة قبل أيام إخطارات بالمثول للخدمة العسكرية في قطاع غزة، ابتداءً من الأسبوع الجاري. وأفادت صحيفة يديعوت أحرونوت بأن رئيس هيئة الأركان الجنرال دان حلوتس، ووزير الحرب عمير بيرتس، كانا قد وقعا الجمعة، على القرار الخاص باستدعاء قوات الاحتياط، خاصة من قوات سلاح الطيران، وسلاح الهندسة والتقنيات. وهذا يشير إلى أن الحكومة الإسرائيلية عازمة على تصعيد حملتها العسكرية ضد الشعب الفلسطيني وقيادته الوطنية.

وهذا طبعاً دليل آخر على أن الإسرائيليين لم يستفيدوا من دروس التاريخ بأن القوة العسكرية وحدها لن تكون قادرة أبداً على تحقيق الأمن أو الاستقرار، وأن احترام حقوق الآخرين وتطلعاتهم هو وحده الذي يحقق ذلك، وهذا جانب واحد من القصة.

أما الجانب الآخر وهو الأهم أن السياسة الإسرائيلية الحالية لا تعكس موقفاً تكتيكياً لتحقيق هدف قريب، وإنما هو موقف استراتيجي يمتد منذ الاجتياح الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية بعد أقل من عام على بدء انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000. إسرائيل التي لا تكترث بحياة الجندي الأسير إنما تريد الأرض والمياه والحدود ولا تريد السلام والأمن والاستقرار، وقطعاً لا تريد الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

من هذا المنطلق فإن الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة ليس أمامه إلا أن يدرك حقيقة الأمور والأهداف الجوهرية للغزو الإسرائيلي الأخير وإعادة احتلال قطاع غزة بينما لا تزال تحتل كامل أرض الضفة الغربية والقدس، غير مكترثة بما كان يسمى بأراضي (أ) أو (ب) أو (ج) طبقاً لما جاء في اتفاقات أوسلو السابقة.

إنها معركة إرادات

وهي بطبيعتها معركة حاسمة تأتي في وقت حاسم وضمن سياقات محلية وإقليمية ودولية حاسمة. وهنا نقر بأن إسرائيل تستطيع قتل المزيد من الفلسطينيين واحتلال المزيد من أرض غزة، لكنها في الوقت نفسه لن تستطيع أبدا تحقيق الأمن والاستقرار والهدوء عن طريق استخدام القوة العسكرية لأنها معركة إرادات.

إن جنون القوة الإسرائيلي سيتوقف في وقت ما عندما تتأكد إسرائيل من حجم إرادة الشعب الفلسطيني وقياداته في الصمود، عندها ستدرك ومن يقف وراءها أنه لا أمن ولا استقرار ولا هدوء نتيجة لمنطق القوة، والأمثلة كثيرة.عندها فقط ستدرك إسرائيل أنه في فلسطين عليها أن تعارك وتقاتل جيلاً بعد جيل وأن هذا الصراع سيمتد لأجيال لأنه في أساسه هو ليس صراع أشخاص وسياسات وقوى.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com