عرف د. جميل صليبا الوطن في معجمه الفلسفي (2/508) فقال: الوطن بالمعنى العام منزل الإقامة، والوطن الأصلي هو المكان الذي ولد به الإنسان، أو نشأ فيه. والوطن بالمعنى الخاص هو البيئة الروحية التي تتجه إليها عواطف الإنسان القومية، ويتميز الوطن عن «الأمة» و«الدولة» بعامل وجداني خاص، وهو الارتباط بالأرض وتقديسها لاشتمالها على «قبور الأجداد».

واذا خطر لك ان تعرف الهوية فأجب عن السؤال التالي: ما هو؟ أو ما هي؟ حينئذ ستحصر في جوابك السمات الجوهرية التي تشخص المسؤول عنه. جاء في المعجم الفلسفي (2/530) «الهوية هي: الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة» وجاء فيه أيضاً: «الهوية هي التشخص»

ومعنى هذه العبارة تحول السمات الجوهرية الكامنة في النواة إلى شخص أو مخلوق تتمثل فيه هذه السمات تمثلاً واقعياً حياً، فبذرة البرتقال شجرة مصغرة فيها كل ما في الشجرة من أغصان وأوراق وأزهار وثمار. وفي الزهرة هوية الشجرة والبذرة وفي الثمرة هوية الشجرة. أي: أنك تجد الطعم والرائحة والتركيب الحيوي في أصغر «جينات» البذرة، كما تجدها في الثمرة اليانعة والشجرة الفارعة، فهل للهوية صلة بالوطنية؟

كل المقالات التي دأبت على نشرها الصحف والمجلات ـ لا هذه الخاطرة وحدها ـ تجيب بالإيجاب، فاذا طلب اليها ان تشفع الرأي بالدليل جاءت بأدلة سطحية تستلهمها من المظهر لا من الجوهر، ومن المتغير لا من الثابت. ومن الطارئ لا من العريق،

ومن الدخيل لا من الأصيل، لأنها تريد ان تمنح «هوية» الوطنية من لا يستحقها ولأنه في الأصل لا يملك «الجينات» الموروثة من النسب والدم، أو النابعة من الأرض والتراب، وحينئذ تختلط الأنساب، ويذوب الاقحاح في الأغراب، وتصبح الهوية كأنها جواز سفر مزور! وبسبب السطحية في ربط الهوية بالوطنية ان نفراً ممن يسألون ويجيبون لا يملكون هوية ولا وطنية ولهذا تخرج أجوبتهم من ألسنتهم وثيابهم لا من «جيناتهم» وقلوبهم.

ليست الهوية الوطنية «عقالاً» على رأس رجل ولا عباءة «سويعية» على منكبي امرأة، ولا «مكبوساً» في قدر، ولا التهام الطعام بالأصابع، ولا «بيتاً» في الحي، ولا «رصيداً» في المصرف الوطني فما أسهل ان توضع القبعة «الطارة» موضع العقال، و«الفستان» موضع العباءة و«السباغيتي» موضع المكبوس على «هامور» وأن ينتقل البيت إلى أفنيوفوش» والرصيد الى سويسرا.

الهوية الوطنية ان تزور ضريح الشيخ زايد فتسبق عبراتك كلماتك، ولأن في الوطن كما قال المعجم الفلسفي «قبور الأجداد» ولأن في جيناتك موروثاً عربياً، لايزول، ان تقول اذا اضطررت الى مفارقة «ديرتك» ما قاله سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وهو يفارق مكة: «إني لأعلم انك أحب البلاد إلي وأنك أحب أرض الله إلى الله، ولولا ان المشركين اخرجوني منك ما خرجت».

الهوية الوطنية ان تعطي أضعاف ما تأخذ، لا ان تأخذ خير الأرض التي احتضنتك، ثم تنكر فضلها عليك، وتحوله إلى أرض أخرى، الهوية الوطنية ان تحتمل قسوة الوطن، وتغتفر إساءته ان أساء إليك، فلا تذكره إلا بالخير على النحو الذي فعله أبوالطيب، إن شاعر العرب الأكبر سجن في حمص واضطهد وقطعت عليه الطريق ليعيش أسيراً، فلما رحل عنها ظل وفياً لها، وراح يتغنى بها، وهو في شيراز فيقول:

أحب حمصاً إلى خناصرةٍ

وكل نفس تحب محياها

حيث التقى خدها وتفاح لب

نان وثغري على حمياها

أو كما قال الآخر:

بلادي وإن جارت عليّ عزيزة

وأهلي وإن ضنوا عليّ كرامُ

الهوية الوطنية ان تشد وطنك الى الصدر العربي الكبير لأن الفصل قتل! ولأن هذا الوطن الصغير في حجمه الكبير برحابة صدره، رغم تعايش ألوان وأجناس من البشر وشتى الثقافات على ترابه جنباً الى جنب مع أهله الأصليين، يشاركونهم خيراته ومنافعه، إلا أنه يجب ان يبقى وطناً عربياً، وجهه ولسانه وقلبه، جزءاً لا يتجزأ من أمة العرب المجيدة.. عربياً بأهله الغيورين عليه غيرتهم على أعراضهم، محافظين على تراثه التليد وقيمه السامية الموروثة، ضاربين بيد من حديد على كل من تسول له نفسه العبث به تراثاً وقيماً،

واقفين في وجه كل من يحاول الزج به في أتون «التغريب»، الذي لا يحفل بشيء إلا بالكسب المادي القاتل للوطنية والمروءة! وحتى يبقى هذا الوطن في منأى عن المخاطر المحدقة به، فلابد من الحرية في الحركة النافعة، أو الحد الأدنى منها، وذلك أضعف الإيمان.. فالوطن يكون حراً بمواطنيه الأحرار، لذلك علينا بتنمية الشعور بالوطن، وتوطين نفوس الأجيال على حبه.

إن الوطنية قبل كل شيء شعور ينمو في النفس ويزداد لهبه في القلب، خاصة كلما كثرت هموم الوطن وعظمت مصائبه! وإذا كنا الآن لا نرى ذلك في مستقبل منظور، لكننا نستشعره في مستقبل قد لا يتأخر قدومه!! لذلك فلن نتسامح فيما يخطط له، أي الوطن، سواءً هنا في الداخل أو هناك في الخارج، إذ أن التسامح في الوطنية إعدام لها وقضاء عليها.

إن أشقى الورى شعب بلا وطن، وأذلهم قوم بلا علم هكذا قال ديجول، ونحن لن نقبل أن نكون هملاً كغرائب الإبل على تراب وطننا، وليعلم من يجهل ومن يتجاهل، أن أقبح ما في الحياة ألا تكون وطنياً فتتجاهل بلادك عوض أن تتحمس لها لأن الحماسة الوطنية خير نسب لعظماء الرجال! وليت شعري متى سندرك بأن «تحويل الشعب إلى أمة خلاقة يفترض قيام وسط اجتماعي سليم يعمل على تنشئة المواطن تنشئة وطنية..».

إن الهوية الوطنية أن تدرأ الائتمار وأن تنبه على مظاهره، وبوادره، كما نبه نصر بن سيار مروان بن محمد على خطر أبي مسلم الخرساني فقال:

أرى بين الرماد وميض جمرٍ

ويوشك أن يكون له ضرام

فإن النار بالعودين تذكى

وإن الحرب مبدؤها كلام!!

فقلت من التعجب: ليت شعري

أأيقاظ أمية أم نيام؟!

ولأن تبالغ في التحذير، وتغلو في إعلان النذير خير لك ولوطنك من أن تنام على ضرام، حتى لا يقال لك إذا فوجئت: شر الرأي الدبرى، أي الذي يعرض بعد فوات الحاجة؟

والخلاصة، أن الهوية الوطنية، أرض وتاريخ ولغة وثقافة، ودم ونسب، ولكل عنصر من هذه العناصر «جينات» مغروسة في القلب، لا رسوم من الحناء ينقش بها الجلد، ثم تبهت بعد حين!

وطني لو شغلت بالخلد عنه

نازعتني إليه في الخلد نفسي

«شوقي»

كاتب إماراتي