العجيب في المشهد الغزاوي هذه الأيام ليس القوة الغاشمة الصهيونية التي تقصف أبرياء الشعب الفلسطيني وتدك البيوت الآمنة وتقتل الأطفال والنساء، ولا العجيب هو الدعم الغربي الجائر الذي يواصل التكفير عن ذنوب الجيل الألماني والفرنسي السابق الذي اضطهد اليهود وأباد منهم مئات الالاف مابين 1939 و1945.

العجيب في المشهد المرعب ليس أيضا الصمت العربي الرسمي الذي أعطى لانتقام الصهاينة ما يحتاجه من المساندة السلبية وغلف جريمتهم بالنسيان. كل هذه الحالات العجيبة تعود عليها المناضلون الفلسطينيون وخبروها منذ عقود وتحولت جهودهم إلى تعبئة الداخل وإغلاق باب الانتظار الطويل للذي لا يأتي.

وأدرك الفلسطينيون بأن ميثاق الدفاع المشترك الذي يزين واجهة جامعة الدول العربية والذي وقعه العرب في عهد يسميه التقدميون والجمهوريون العرب المساكين بالعهد البائد أي عهد القادة العرب عندما عقدوا العزم في مارس 1945 وأسسوا جامعة الدول العربية واتفقوا على أن يكون أمينها العام الرجل المثقف الوطني العروبي عبد الرحمن عزام باشا.

والعجيب في مجازر غزة التي أعطاها الجيش الاسرائيلي عنوان «رأس الحربة» ليس كما يعتقد المراقبون الدوليون استحلال الدم الفلسطيني وإقامة محاكمة مهزلة للشخصيات الحماسية المنتخبة، من وزراء ونواب الشعب حتى أن المؤرخ والمفكر الفرنسي فرنسوا بورغا كتب في الصحف الأوروبية يقول: تصوروا قصفا جويا لقصر الايليزية وقصر ماتينيون واختطاف رئيس حكومتنا دومينيك دوفيلبان ورئيس برلماننا جون لوي دوبري بسبب احتجاز جندي عدو في الحرب أثناء الاحتلال! هذا هو الذي يقع لفلسطين اليوم!

والعجيب اليوم لم يعد كذلك استعمال القصف بالطائرات ضد القرى والأحياء المدنية في مخالفة اجرامية مبيتة لكل المواثيق الأممية وكل معاهدات القانون الدولي الموقعة وكل نواميس الحرب، بحجة استرداد جندي عدو واحد متواجد على أراض أعلنتها منظمة الأمم المتحدة أراضي محتلة وشرعت الدفاع عنها وتحريرها بكل الوسائل المتاحة كأي أرض محتلة.

والعجيب ليس كذلك أن يقف الشباب الفلسطيني وحده وبأيد عزلاء في مواجهة أعتى قوة عسكرية في الشرق الأوسط، فقد كان ذلك حاله منذ 1948 عام النكبة. كما أن العجيب ليس البيان المتردد الذي أصدرته منظمة كوفي عنان، وهو غير ملزم، يعاتب فقط الدولة العبرية على عدم التلاؤم بين الأسباب والوسائل المستنفرة! في لهجة تعودنا أن نسمعها من واشنطن وليس من نيويورك! ومن البيت الأبيض وليس من بيت الأمم!

أما العجيب حقا فهو الفرق بين عرب 1946 وعرب 2006. ستون عاما تم خلالها القضاء على المجتمعات المدنية العربية التي كانت تتأثر بعفوية وترد الفعل بسرعة وتعبئ نفسها للذود عن الثوابت والقيم والمصير وتناصر الإخوة والأشقاء دون تردد.

وأنا أذكر في أيام الصبا حين تم اغتيال الزعيم النقابي والوطني التونسي فرحات حشاد في تونس يوم 5 ديسمبر 1952 فاذا بمظاهرة عارمة تخرج في الدار البيضاء بالمملكة المغربية يستشهد خلالها على يد نفس الاستعمار الفرنسي ثلاثة أبطال مغاربة، ولم تكن لدى الناس لا فضائيات ولا شبكة أنترنت تنقل الأخبار بسرعة اليوم.

أين المجتمعات المدنية العربية التي قاومت الاستعمار وحملات التنصير وكسرت شوكة الطغاة العنصريين؟ لماذا فقدت شعوبنا حرارة الصدق وخمدت لديها جذوة الكفاح فعزّت النصرة للمظلوم وعزّ النصر لصاحب الحق؟ انها المصيبة الكبرى التي تنذر بتفكك العصبية التي ذكرها العلامة ابن خلدون والتي سماها الكواكبي انفجار الحب والنوى في النفس الأبية وأطلق عليها هذه الأيام أستاذنا محمد حسنين هيكل عبارة طريفة ولكنها صادقة هي «هروب العرب من التاريخ»؟!