انفجر الوضع أمس، بصورة مدوّية وخطيرة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، سقط في المواجهة عدد من الجنود الإسرائيليين ووقع اثنان منهم في الأسر بيد حزب الله، ردت تل أبيب بقصف جوي ومدفعي على مناطق لبنانية في الجنوب واستهدفت مرافق وجسورا وقرى، أدت إلى وقوع ضحايا من بين المدنيين.

بعض المسؤولين في حكومة أولمرت سارعوا إلى التهديد والوعيد، بتوجيه ضربات قاسية تعيد لبنان «عشرين سنة إلى الوراء» وكالعادة عرضت إسرائيل التطورات في إطار يفيد بأنها تقوم بالتمهيد لعمل عسكري واسع. زعمت أنها تعرضت لـ «عملية إرهابية» وعلى أساس هذا الزعم هدد أولمرت مع وزيرة خارجيته برد «مؤلم» محملاً الحكومة اللبنانية المسؤولية. وقالت مصادر عسكرية إسرائيلية بأنه قد تم «استدعاء فرقة احتياط » إلى الخدمة.

وجرياً على المألوف واكب الخطاب التصعيدي الإسرائيلي تحرك واستنفار وردود، بدا أنها تصب في التسويق المسبق للرد الإسرائيلي المتوقع، ومن ذلك الموقف الأميركي المعلن على لسان وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس وعلى لسان الأمين العام للأمم المتحدة اللذين أدانا لبنان من دون إدانة جرائم إسرائيل ضد لبنان وفلسطين، تماماً كما حصل قبل أيام في الأراضي الفلسطينية وأدى إلى حرب غزة .

الماكينة الإسرائيلية ومن معها تعمل دوماً، في هكذا حالات، على تقديم جانب واحد من المشكلة وبصورة مشوهة، تكفل التمويه والتعتيم على الجذر الأصلي للتفجير والمتمثل هنا بأمرين: الاحتلال والغطرسة . إسرائيل أرادت باستمرار احتلالاً مجانياً، بحيث تكون أية مواجهة أو مقاومة شرعية له هي بمثابة «عدوان».

كما أنها أجازت لنفسها، على الدوام، أن تكدس الأسرى في سجونها وبالآلاف، فلسطينيين وعربا آخرين، من غير محاكمة. لكن عندما يقع لها جندي في الأسر تقيم الدنيا ولا تقعدها، بحجة أنها الطرف المعتدى عليه. والأنكى أن هناك من يحتضن هذا التزوير، مبرراً انفلات الآلة العسكرية الإسرائيلية، من باب أنه «دفاع عن النفس»،

كما رأته واشنطن في حصار غزة. فقد مضى قرابة أسبوعين على هذا الحصار الخانق، من دون أن تتحرك الجهات الدولية، خاصة الفاعلة وبالتحديد الأمم المتحدة، لوضع حد للعدوان الإسرائيلي. بل لوضع حد لغطرسة إسرائيل وحملها على القبول بحل يقوم على مبادلة أسيرها بأسرى فلسطينيين.

إسرائيل أفسدت أكثر من وساطة وعملت على تعطيل آليات معقولة، تنهي المشكلة. والخطاب نفسه طبع ردودها على العملية التي وقعت على الحدود اللبنانية. وتشير كل الدلائل والمقدمات بأن الجبهة الجديدة قادمة على تسخين، سيكون التعنت الإسرائيلي في أساسه. وفي ضوء ذلك تبدو الحاجة مستعجلة إلى أدوار دولية فعالة وعادلة لإنقاذ المنطقة من انفجار واسع جديد.

ويا ليت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس والأمين العام للأمم المتحدة، كوفي عنان يطالبان بإطلاق سراح كل الأسرى وليس فقط الإسرائيليين منهم، فالعزف على إيقاع الموقف الإسرائيلي بقصد أو دون قصد أدى دوما إلى زيادة تأزيم الأوضاع، وحدها الحلول المتوازنة تنزع فتيل الانفجار، والوقت من ذهب.