كشفت تفجيرات الهند التي ضربت أمس شبكة قطارات بومباي مخلفة مايقارب 200 قتيل و500 جريح تفاقم خطر الإرهاب الذي أصبح شبحه يخيم على العالم منذ اعتداءات 11 سبتمبر وماتبعها من هزات زادت العالم خوفا ورعبا اكثر منه أمنا وتحصينا، وجعلت كل بلد أو قارة هدفا سهلا لا يهابه الانتحاريون، ولا تخطئه التفجيرات، ولعل خطأ العالم الذي يرفض الاعتراف به حتى اليوم، هو تجاهل السؤال عن السبب والدافع، أكثر من الاجابة بالشجب والتنديد اللذين لم يغيرا من الواقع شيئا ولم يضعا للمشكلة حلا.
عندما انهار برجا التجارة العالمية بنيويورك 2001 انهارت معها سياسات وأخلاق وقيم، وظهرت معها في المقابل اخلاق وسياسات جديدة وقيم موازية لها في الفعل ومخالفة لها في الاتجاه، الا أن القاسم المشترك بينهما ظل واحدا، (العنف) ، الذي لايولد إلا العنف.
ومع أنه كان أجدى بالعالم بعد صحوته من صدمة تلك الاحداث المروعة فعلا، أن يبحث في الجذور والأسباب الدافعة اليها، والى مثلها من العمليات مهما اختلف المنفذون واختلفت الاهداف، الا ان العالم اكتفى بقيادة أمريكا بإعلان حرب مفتوحة على شبكات الإرهاب ومنظماته دون أن يحصل ولو أدنى اتفاق في المحافل الاقليمية أو الدولية على اعطاء تعريف محدد لمصطلح الإرهاب، وهكذا تشعبت شبكات الإرهاب وتضاعف أعداد الضحايا الذين لم يقتصروا على الافراد، بل تجاوزتهم الى الدول.
لقد كشفت عمليات بومباي أمس التي فصلت بين كل منها 20 دقيقة مستوى عاليا من الدقة والحرفية في التنفيذ، وسبق ان شهدت مدينة بومباي نفسها عددا من الاعتداءات بالقنابل عام 1993 اسفرت عن نحو 250 قتيلا واكثر من الف جريح. كما رأينا عمليات بنفس الدقة في لندن ومدريد، ولا تزال نيويورك في حال استنفار قصوى منذ اعتداءات 11 سبتمبر حيث يستخدم نحو 7,7 مليون شخص وسائل النقل فيها يوميا.
وكشف (اف بي اي) الأسبوع الماضي عن مخطط كان يستهدف تفجير انفاق تؤدي الى المدينة. كل هذا يكشف تنامي خطر الإرهاب الذي لم يعد له دين أو وطن، كما يكشف ضرورة البحث في جذوره، وتشخيص أسبابه حتى يخرج الجميع من هذه الدائرة المفرغة من غياب العدالة، وتساوي الضحية مع الجلاد.
وحتى يتم إحلال روح السلام والوئام بدل سياسة القوة والانتقام. يكفي أن نعي ما يعيشه العالم من اختلالات حتى نكتشف حجم المخاطر التي يواجهها، اللهم إذا تجاهلنا قتل الاطفال والابرياء العزل في فلسطين، وعدم مواجهة احتلال العراق وافغانستان دون مبرر شرعي باجراءات تعيد الشعور بالسيادة والاستقلال للشعوب، وكذلك هضم حقوق الاقليات وعدم الاعتراف بشرعيتها، كل ذلك يضعنا امام منعطف من الصعب عبور مخاطره دون تعبيد طرق النجاة.