حتى في الرياضة لا توجد أخلاق دائمة، بل فوز محتمل، ولذلك شكلت المباراة النهائية لكأس العالم بين إيطاليا وفرنسا حدثاً جديداً بعيداً عن هزيمة وفوز، إلى حادثة نطحة زيدان (لماركو ماتيرازي) الإيطالي، فقد تم توظيف الحدث كواقعة سياسية وعرقية إذا ما صدقت القرائن.

لكن الإيطاليين، حتى بفرضية استخدام أساليب مثيرة وغير أخلاقية، استطاعوا استفزاز أهم لاعب في العالم وطرده، وهي معركة مستوفية الشروط إذا كان النجاح وفق قاعدة رياضية معروفة تقول «اللي تكسب به.. العب به» لذلك هل الأشخاص البارزون والمهمون بمختلف وظائفهم ومؤثراتهم قادرون على إحداث مفاجآت تفرض الحروب أو قفل الحدود، أو قطع العلاقات بين البلدان. أو إثارة النعرات بين المجتمعات البشرية؟.

إسرائيل تحارب كل الفلسطينيين من أجل جندي أُسر، والعالم ليس معنياًبالقضية، وتاريخياً جاء قتل (أرشيدوق) النمسا بإقامة الحرب العالمية الأولى التي أفنت الملايين وفتحت الباب لسباق تسلح كبير، ومنشّة (باي) الجزائر التي ضربت أنف السفير الفرنسي كلفت الجزائر احتلالاً لمائة وثلاثين عاماً، وأحداث مماثلة كثيرة.

غير أن توظيف الرياضة لقضية مماثلة إضافة أزمات بين المسيحيين والمسلمين فيما لو افترض أن اللاعب الإيطالي سب دين زيدان، فالمشكلة هنا تقع في محظور خطير، لأن المتطرفين على الجانبين قد يحولون الواقعة إلى حرب إعلام وحروب نفسية قد يتبعهما تحرك جاليات مسلمة، وعنصريين أوروبيين إلى إشعال فتيل صراع طويل.

والمهم هنا أن لا تتطور المشكلة إلى نزاع خارج دائرة الرياضة، وإلا دخلنا في حالات جنون من فئات لا تقدر الظروف ولا حتى الحالة النفسية للاعبيْن أوروبييْن، هما في النهاية يتسابقان في حفل رياضي بعيد عن كل الأغراض.

وإذا كانت إيطاليا ومحبوها هم من احتفل بالنتيجة والانتصار التاريخي فهو حق، لكن أن تسوى مسألة ما حدث في المباراة بمصالحة بين اللاعبين، واعتذار يشمل البلدين، فإن ذلك قد يهوّن المسألة، ويجعلها حادثة غير مهمة، لكن لو بدأت الإشارات تحاول إثبات تهمة ما، وجاء تكبير القضية بأساليب التهويل الصحفي، فإن من تحركهم غرائزهم أكثر ممن يستخدمون عقولهم، وهنا لابد من ردم المشكلة في إطارها الرياضي وحسمها بدون أضرار، أو تصعيد يفتقد منطق الرياضة وأهدافها..

لقد أخطأ زيدان، وهو العلَم البارز عالمياً، لأنه خسر، بتصرفه تثبيت نجوميته الأخلاقية، إلى جانب عبقريته كلاعب، وحتى في أسوأ الأحوال، واعتبار اللحظة التي استفزه بها اللاعب الإيطالي، فإنه كان بإمكانه إكمال المباراة، وبعدها يمكن كشف الحقيقة، ولكن ضمن أخلاقيات الرياضيين.