خلال حقبة الحرب الباردة كانت أوروبا قلب العالم الاستراتيجي وعلى جانبي الأطلسي كانت تمتد خطوط المواجهة المحتملة، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية مرت فترة سيولة شهدت تفجرات إقليمية في الخليج والبلقان قبل أن يتحرك القلب الاستراتيجي للعالم ليتطابق مع القلب الجغرافي الذي يحتله العالم العربي، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد وربما الصراع المتصاعد حول ما يسمى «الشرق الأوسط الكبير».

غير أن قوس الأزمات الحالي في عالم ما بعد 11 سبتمبر يقع شرق هذا القلب الجيوستراتيجي الذي يشهد صراعا حقيقيا ربما توقفت على نتيجته صورة العالم في المستقبل المنظور. فمنذ نهاية التسعينات تولي أميركا اهتماما كبيرا بآسيا، وهو اهتمام تصاعد مع وجود قوات أميركية في دولتين آسيويتين (العراق وأفغانستان) وأصبحت آسيا مصدر التهديدات الأكثر إلحاحا (كوريا الشمالية، إيران، الصين، الصراع على مصادر النفط وخطوط نقله ®®.).

نار في الشرق

ولا شك أن القدرة على رؤية أي حدث سياسي تتوقف على عوامل عديدة بينها السياق الذي نضعه فيه، وقد امتلأ الإعلام العربي باجتهادات لتفسير الصراع الدائر في أفغانستان والعراق من خلال وضعه في سياق ما وتغليب عوامل بعينها على غيرها.

وما يغلب على هذه الاجتهادات نفي الجغرافيا لحساب التاريخ والثقافة، والنظر إلى مسرح العمليات (أفغانستان والعراق) بوصفه جزءا من ظاهرة ثقافية (العالم الإسلامي) لا جزءا من منطقة جغرافية ذات تضاريس معينة طبيعيا وسياسيا وبشريا (آسيا).

وقد كان البعد الآسيوي للسياسات الأميركية الحالية حاضرا في العقل الأميركي حتى قبل أحداث سبتمبر 2001، ومن الشواهد المهمة على هذا الحضور مؤلف مهم هو «نار في الشرق: صعود نجم القوة العسكرية الآسيوية والعصر النووي الثاني» ئ؟(1999)ئ؟،

وتنبع أهميته من أن مؤلفه: «بول براكين» عمل مستشارا لمعظم عمليات إعادة التقويم التي أجرتها الحكومة الأميركية بعد الحرب الباردة، وضمن ذلك تلك التي أجراها البنتاغون والسي آي إيه. وبراكين يقرر ابتداء أن العالم يتغير بسرعة وأن على الغرب انتهاج سياسة جديدة تقوم على التفاعلات الاستراتيجية وتختفي فيها حدود المكان والتضاريس التي فقدت معناها بالفعل.

وأهم ملامح الخريطة كما يرسمها براكين أن أوروبا التي كانت تسمى «غرفة قيادة العالم» تتمتع الآن بدرجة من الأمن غير مسبوقة منذ قرون ولذا فإنها لم تعد قوة عسكرية خطيرة، فالبحرية البريطانية التي كانت ذات أمجاد - على سبيل المثال - لم تعد أقوى من البحرية الهندية، كما أن القوات الفرنسية لا تعد قوية إلا في عمليات حفظ السلام!

وتلعب الجغرافيا دورا كبيرا في صياغة مستقبل هذه المنطقة، فبعد زوال مفهوم ارتباط السيادة على العالم بالسيادة على البحار صارت هناك قناعة راسخة بأن من يسيطر على قلب آسيا يسيطر على العالم. وإذا أرادت القوى الغربية أن يكون لها نفوذ في آسيا فيجب أن «تصل» إلى هناك، فحتى تصل حاملة طائرات من أميركا إلى سواحل الباسيفيكي تحتاج خمسة وثلاثين يوما.

من ناحية أخرى فإن قادة آسيا الحاليين لم يعودوا أولئك الذين يقودون جيوشا من الفلاحين، كما أن للاضطرابات الاجتماعية صدى يتعدى الحدود القومية. ويرى براكين أن دول الباسيفيكي اختارت طواعية التركيز على الاقتصاد لا على القوة العسكرية، ولم تدرك أميركا مغزى هذا التطور ولكنها تحاول ألا تجعل النمو الصناعي يرتبط بتطوير قدرات عسكرية. وما يخلق كارثة أن مساحة المناورة، السياسية والعسكرية معا، تقلصت من خلال علاقة التقنية بالجغرافيا، وبحصول عدة دول على أسلحة دمار شامل صاروخية تغير الموقف.

والدول الآسيوية تتغلب على الاستراتيجية النفسية الأميركية التي كانت تعتمد على حصرها في مجال محدد، فهي الآن توسع مجالها العسكري وتضفي عليه تنوعا، كما أعادت تنظيم مؤسساتها العسكرية فلم تعد تقوم بتشكيل هوية وطنية ولم تعد تنخرط في أنشطة أخرى غير القتال، وتغير وضعها بسبب تجاربها العسكرية الفاشلة وبدأت تظهر تركيبة عسكرية/ صناعية جديدة ترتكز على الصواريخ وأسلحة الدمار الشامل.

والخطر الأكبر لسباق التسلح في آسيا لا يكمن في حسابات التوازن والردع، وأسباب غياب الاستقرار لا يمكن حلها عن طريق إقامة خطوط ساخنة ولا معدات عالية التقنية لمنع أي استخدام غير مصرح به للسلاح، وأي فجوة في توازنات القوى يكون لها صدى كبير في أمم لها تاريخ طويل من الكراهية المتبادلة في وقت أصبحت فيه القنابل والصواريخ من رموز الحداثة. فالقومية خلقت عصرا نوويا جديدا في قوس رعب من إسرائيل لكوريا الشمالية وهكذا أصبحت آسيا مصدر الأحداث على الساحة العالمية.

آسيا عام 2015

وقد ترافق مع العمل العسكري لتغيير «الواقع» اهتمام بالتحكم في مسارات «المستقبل»، ومؤخرا شهدت العاصمة البريطانية لندن ندوة بعنوان: «آسيا عام 2015» الذي كان ماو تسي تونغ أول من طرحه شعاراً عام 1958 حين حدد هدف الصين بـ «تجاوز تطور بريطانيا وتحقيق درجة مشابهة لتطور أميركا». وهو شعار ما زالت أصداؤه تتردد، وإذا اعتبرنا أن اقتصاد الصين الآن تجاوز في قدراته ونموه اقتصاد بريطانيا فإنه مرشح لأن يحقق تطوراً يزيد عن تطور الاقتصاد الأميركي حتى عام 2040 حسب سيناريوهات مستقبلية.

وفي المقابل، هناك من يرى أن اقتصاد الهند سيتجاوز في قدراته ونموه الاقتصاد الياباني حتى عام 2032، ولن تقتصر قيمة آسيا على عدد السكان الهائل 40% من سكان العالم فحسب، بل سوف تبلغ إنتاجيتها 5/1 إنتاج العالم، ولكن الأوجه السلبية ليست غائبة عن هذه التوقعات المتفائلة حيث لا تزال آسيا تضم ثلثي فقراء العالم، وهم فقراء محشورون في قارة مزدحمة بالبشر والصواريخ والصراعات.

وحسب «بنك الإنماء الآسيوي» فإن آسيا شهدت منذ عام 1998 توقيع 15 مبادرة استثمار وتجارة ولا تزال عشرون اتفاقية أخرى رهن التفاوض و16 اتفاقية في طور المقترحات. وتبين أن هذا الاندفاع في التعاون والاتفاقات جاء بمبادرة اليابان التي اهتمت بالاتفاقات الثنائية مع دول آسيوية كثيرة من أجل الوقوف في وجه النفوذ الصيني في آسيا.

ويخطط رئيس الوزراء الياباني كويزومي الآن لعرض 15 اتفاقية ثنائية حتى نهاية هذا العام إضافة إلى اتفاقيات أخرى يريد توقيعها حتى عام 2010. فالتقارب والتعاون إذن رغم إيجابياته إلا أنه مدفوع بالأجواء التنافسية وربما الصراعية بين القوى الكبرى في القارة. فهل من المقبول إهمال هذا الاهتمام الأميركي المتصاعد بآسيا عند تفسير ما يحدث في العراق وأفغانستان؟.

كاتب مصري