أطفال الحجارة في فلسطين، يسطرون أسطورة دراماتيكية حقيقية بكل المقاييس، تفوق في شجاعتها وصمودها وعذاباتها وتحديها كل ما عرفته تجارب النضال الوطني من أجل الحرية لشعب من الشعوب. فكم شاهدنا على شاشات التلفزيون، وكم نقلت إلينا وكالات الأنباء من الصور والأخبار التي يكون أبطالها الحقيقيون هم أولئك «الجنرالات الصغار» كما كان يحب أن يسميهم الزعيم الفلسطيني الشهيد «ياسر عرفات».

مئات بل آلاف المشاهد مما رأيناه ومما لم تبثه لنا شاشاتنا العربية كانت تنطق بالبطولة النادرة لهؤلاء الأبطال الصغار في أعمارهم الكبار في بسالتهم وتضحياتهم بل ووعيهم العميق بقضيتهم وإبداعهم لصور حضارية مبهرة لوسائل وأشكال المقاومة.

عشرات بل مئات الأسماء من الشهداء الأطفال الذين ارتفعت أرواحهم الطاهرة إلى أعلى درجات السماء، بصواريخ الطائرات وقذائف الدبابات ورصاصات القتل الجبان بدم بارد برشاشات جنود العدوان الصهيوني الذين سقطوا بجرائمهم البشعة على مشهد من الدنيا كلها إلى أسفل درجات الخسة والوحشية والنذالة والإرهاب.

كم « درة» وكم «إيمان » وكم « هدى » وكم من مئات بل آلاف الأسماء العربية الخالدة لأطفال فلسطين الأبطال من الشهداء والمعاقين والجرحى والأيتام من أبناء الشهداء، سواء ممن فقدوا آباءهم المقاومين أو ممن فقدوا كل أفراد عائلتهم من الأبرياء المسالمين الآمنين في بيوتهم أو الباحثين غن نسمة هواء هربا من الاختناق على شاطئ غزة المحاصرة.

ويكفي الاطلاع على تقارير المنظمات الدولية المعنية بقضايا الأسرى وحقوق الإنسان لندرك من هو الإرهابي ومن هو المقاوم ومن هو الشجاع الذي لم يبلغ الحلم ولا يحمل إلا الحجر في مواجهة دبابات ومدرعات المحتلين، ومن هو الجبان من الجنود الكبار المرعوبين حتى وهم داخل دباباتهم الثقيلة ومدرعاتهم الحصينة من هؤلاء الأطفال الكبار.

فمنذ عام 2000 وبالتحديد مع تفجر الانتفاضة الشعبية الفلسطينية في الثامن والعشرين من سبتمبر، وحتى الثامن والعشرين من مارس من العام 2006 بلغ عدد الأطفال الذين أسرتهم قوات جيش الاحتلال 3000 طفل دون سن الثامنة عشرة، ومن بينهم 500 أسير اعتقلوا وهم أطفال قصر ظلوا في السجون الإسرائيلية حتى تجاوزوا الثامنة عشرة، وبقي منهم حتى الآن نحو 450 طفلا لا يزالون في الأسر.

وبالتأكيد زادت أعداد الأسرى الأطفال الفلسطينيين بعد العملية الفدائية الأخيرة التي أفقدت العدو توازنه وأصابت هيبته في الصميم، كونها عملية عسكرية في قلب قاعدة عسكرية في أرض محتلة انتهت بمصرع اثنين من جنوده وأسر ثالث قامت بسبب أسره قيامة إسرائيل ومن هم وراء إسرائيل، فحشدت جيشها الجرار لمحاصرة غزة، وأعادت احتلال ما انسحبت منه وشنت ولا تزال عدوانا وحشيا على الشعب الفلسطيني الأعزل بالطائرات والدبابات.

والغريب، أن تلك الأصوات المنحازة باسم مواجهة الإرهاب والعمل من أجل السلام، أو حتى تلك التي تسعى بحسن نية لتجنيب الشعب الفلسطيني مزيدا من الشهداء، تمارس الضغوط على فلسطين للإفراج عن جندي صهيوني، أسر في معركة بين عساكر احتلال وجنود مقاومة وأسر حاملا سلاحه من داخل دبابة إسرائيلية تحتل الأرض وتقصف القرى الفلسطينية، بينما لا تريد أو لا تستطيع الضغط على إسرائيل لإطلاق 000 ,10 أسير بينهم 500 طفل فلسطيني.

وفي مواجهة هذا العدوان الغاشم المستمر والذي أعلن «أولمرت» أنه سيستمر لشهور على غزة والضفة، رأى العالم الصامت عن جرائم المحتلين، والمتخاذل في الدفاع عن حقوق الإنسان، والعالي الصوت دفاعا عن «حقوق الشاذ والحيوان»، أطفال فلسطين يبتكرون في مقاومتهم صورا حضارية وإعلامية جديدة لمواصلة النضال المتعدد الجبهات والمتنوع الوسائل.

قاموا بالمسيرات وأعلوا صوتهم وحملوا لافتاتهم أمام مقار المنظمات الدولية، وعقدوا المؤتمرات الصحافية ووجهوا الرسائل الإلكترونية لقادة العرب والمسلمين والعالم لحمايتهم من بطش العدوان.. وآخر المشاهد وبينما توارت الأنظار عن قضيتهم، واتجهت إلى المباراة النهائية لكأس العالم في برلين، كانت مباراة نهائية فلسطينية بعيدة عن الأنظار بين فريقين من الأطفال، الفريق الإيطالي الذي انتصر والفريق الفرنسي الذي انهزم. لكن كأس البطولة في النهاية تسلمه أطفال فلسطين.

amdoh77t@hotmail.com