القضايا القانونية التي تواجه المجتمع المدني في الوطن العربي كثيرة ومتعددة، وتحسين الإطار القانوني لمنظمات المجتمع المدني هدف لكل العاملين في هذا المجال. ولقد شاركت الأسبوع الماضي في ندوة حول دعم المجتمع المدني في المنطقة العربية بمبادرة من المركز الدولي لقانون المنظمات غير الهادفة للربح، اكتشفت خلالها أن المشاكل القانونية التي تتعرض لها منظمات المجتمع المدني في البحرين ومنطقة الخليج مشابهة تماماً لمثيلاتها في الوطن العربي.
وللعلم فإن منظمات المجتمع المدني تتكون من المؤسسات الخيرية والجمعيات والاتحادات المدنية والمنظمات غير الحكومية والنقابات والمنظمات المهنية وجماعات المحافظة على البيئة والنوادي الرياضية وجماعات حقوق المرأة وحقوق الإنسان وغيرها من التي تشكل بمجموعها «القطاع الثالث» للحياة الحديثة، بعيداً عن الحكومة والسوق.
وهي تعمل على مجموعة واسعة من القضايا وتظهر في أشكال مختلفة، لكنها تشترك جميعاً في ميزة كونها منظمات خاصة غير ربحية وتحكم ذاتها وأن الأفراد أحرار في الانضمام إليها أو دعمها بشكل طوعي. وهناك قوانين تحكم تلك الجمعيات بعضها يحتوي على فقرات مهمة وأحياناً كثيرة ظالمة للجمعيات ومعظمها يحتاج إلى إصلاح قانوني.
ففي الجزائر، على سبيل المثال، يأتي في نص القانون على عقوبة تتراوح بين السجن لمدة 3 شهور أو سنتين وغرامة لأي شخص «يوجه، يدير، أو يشجع اجتماع أعضاء المؤسسة غير الحكومية التي جرى حلها أو وقفها أو عدم اعتمادها».
أما في مصر التي تتميز بقضاء مستقل يحظى بالإعجاب والاحترام فإن قانون84 -2002 يشوبه الغموض والقسوة غير الضرورية حيث أنه يفرض عقوبات فردية قاسية على عدم الالتزام والتقيد بالقانون مثل السجن لغاية سنة واحدة ودفع غرامة تصل إلى 10000 جنيه مصري في حالة تأسيس منظمة «تهدد الوحدة الوطنية».
وفي العراق ينصب العيب والضعف الرئيسي للقانون الذي يحكم الجمعيات والذي وضعه حاكم العراق السابق بريمر بما يسمى قانون 45، وأهم شرط فيه أن تكون كافة المنظمات غير الحكومية «غير سياسية» مما يذكرنا بالأزمة التي حدثت بين وزارة التنمية الاجتماعية والاتحاد النسائي حيث أصرت الوزارة على منع الاتحاد من التدخل في السياسة.
ويجب التنويه هنا بأن معظم قوانين العالم تحظر النشاط السياسي لجمعيات المجتمع المدني ولكن هناك تعريفاً للنشاط السياسي خاصة في الدول المتقدمة وهو الانخراط في أنشطة الأحزاب وفي إسناد مرشحين والإنفاق عليهم، وما عدا ذلك فهو مباح لتلك الجمعيات. كذلك يوجد في الأردن قانون متشدد جداً للمنظمات غير الحكومية صدر عام 1966 ويعتبر من أقدم القوانين وأكثرها تشدداً في الشرق وهو يمنح السلطة التنفيذية صلاحية التصرف كيفما تشاء دون أي تدخل من السلطة التشريعية والقضائية.
ويبقى القانون اللبناني هو الأفضل، وكما يذكر النائب اللبناني غسان مخيبر كيف نجحت تلك المبادرة حين نظمها في 6 نقاط بالنسبة لقانون الجمعيات «أولها تشخيص المشاكل والمعوقات ثم تحديد الأهداف وهو تعديل القانون الحالي وإدخال النقاط التي نقترحها لإصلاح القانون. لم نطالب باستبدال القانون وكنا نقول ان القانون جيد ولكن يجب أن نغير بعض نصوصه.
تحركنا أيضاً تجاه المنظمات الدولية التي قبلت بقراءتنا للقانون. كان عملنا من خلال القضاء حيث انتظرنا فترة طويلة حتى اعترف القضاء اللبناني بعملنا وتم إدخال التعديلات التي طالبنا بها». والدرس الذي نستخلصه من نجاح القانون اللبناني هو أن الاعتراض على القانون لا يكفي بل يجب تقديم الصيغة البديلة والتفاوض مع الجهات المعنية.
إن القيود التي تفرضها الحكومات على المبادرات الخاصة ليست بالشيء الجديد، فكثيراً ما سعت بعض الحكومات للحد من مساحة نشاطات المنظمات الأهلية. وهناك سؤال مهم هو: كيف يمكن للمجتمع المدني أن يستمر ويصبح قوة دافعة باتجاه التغيير مع وجود القيود المفروضة على القانون الذي يحكمه ؟ بالطبع لا توجد وصفة محددة لذلك بل هناك عدة استراتيجيات تستطيع مجموعات المجتمع المدني أن تستخدمها أهمها إقامة حملات تدعو إلى الإصلاح.
إن نشر الوعي يعتبر الخطوة الأولى نحو مواجهة الأخطار التي تهدد المجتمع المدني وكذلك التثقيف الشعبي وتدريب الناشطين في مجال المجتمع المدني والمراقبة والتوثيق واستخدام الإعلام والعمل عبر شبكة الانترنت وغيرها من الوسائل السلمية التي تحفز المواطنين على الدفاع عن مكاسبهم واستخدام النفس الطويل. ولكن قبل كل شيء يجب التركيز على الحق أولاً ثم يأتي القانون كي يصون هذه الحقوق.