يكره كيم يونغ إيل الزعيم الكوري الشمالي أن يتم تجاهله، فبينما تكرس القوى الغربية الكبرى وروسيا والصين جزءاً كبيراً من وقتها وطاقاتها للمداولات حول كيفية التعامل مع برنامج إيران النووي الذي يتطور بسرعة، حرصت كوريا الشمالية على تذكيرنا بأنها تملك ترسانة نووية بالفعل وأنه لا ينبغي للعالم إهمالها.

وربما يتساءل الكوريون الشماليون لماذا الجميع مهتم إلى هذه الدرجة بإيران؟ فقادة إيران لا يملكون بعد قدرات عسكرية نووية ويؤكدون على أن بلادهم تخصب اليورانيوم فقط من أجل توليد الكهرباء. وفي المقابل يعتقد أن كوريا الشمالية تمتلك كميات من البلوتونيوم كافية لعدة أسلحة نووية، وقيادتها لا تخجل من التفاخر بذلك.

ومنذ إطلاق صاروخ من جيل سابق عبر الأجواء اليابانية في 1998، التزمت بيونغ يانغ بتعليق من جانب واحد لاختبارات الإطلاقات الصاروخية. لكن الأقمار الصناعية الأميركية واليابانية رصدت أخيراً أول اختبار من نوعه لإطلاق صارخ طويل المدى من طراز تايبودونغ 2 وهو الصاروخ الذي يفترض نظرياً انه قادر على الوصول إلى الأراضي الأميركية.

ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤولين أميركيين رفيعي المستوى قولهما إن كوريا الشمالية قامت بالفعل بتعبئة خزانات الصاروخ بالوقود بالكامل. وإذا كان الأمر كذلك، فقد يعني أن كوريا الشمالية كانت تعرف ما هي مقبلة عليه، لأن إعادة تفريغه من الوقود عملية معقدة وتستغرق الكثير من الوقت.

لكن مع أن ما قامت به كوريا الشمالية تصدر عناوين الأخبار الدولية لعدة أيام وأزعج أسواق اليابان وكوريا الجنوبية، لكنه لم يغير الوضع الدبلوماسي الراهن. فواشنطن لا تزال تصر على قيام كوريا الشمالية بتفكيك برنامجها النووي لكنها تفتقر لأي خيار عسكري عملي لفرض إرادتها.

والصين، الدولة الوحيدة التي لها تأثير ذو شأن على بيونغ يانغ، تبدو غير راغبة في (أو غير قادرة على) ممارسة الضغط الكافي على نظام كيم لإرغامه على تقديم تنازلات حقيقية. وليس لكوريا الشمالية مصلحة في التخلي عن برنامجها النووي ، الذي يعتبر الآن ورقتها الأساسية في المفاوضات الدولية والضمان الأهم لأمنها. ويحتاج كيم إلى استمرار العزلة الدولية حتى يستطيع مواصلة إحكام سيطرته على السلطة. وهذه الاعتبارات كلها لا تترك كثيراً من المجال للمناورات الدبلوماسية.

وبعبارة أخرى، فإن حالة الاستعصاء السياسي حول البرنامج النووي لكوريا الشمالية تضرب جذورها عميقاً جداً لدرجة أنه حتى اختبار إطلاق صاروخ قادر على ضرب كاليفورنيا لا يزحزح العملية كثيراً في أي اتجاه. فواشنطن لا تستطيع تصعيد الصراع بشكل كبير، وبيونغ يانغ لا تستطيع التراجع.

إذن لماذا أقدمت كوريا الشمالية على ما قامت به؟ يدرك كيم تماماً أن المجتمع الدولي عرض على إيران عدداً من الحوافز مقابل وقف برنامج التخصيب النووي. وفي 31 مايو، عرضت إدارة بوش إنهاء الحظر الدبلوماسي الذي تفرضه أميركا على إيران منذ 27 عاماَ، والجلوس مع قادتها وجهاً لوجه على طاولة المفاوضات.

وبعد ذلك بيوم واحد، وجهت كوريا الشمالية دعوة لمساعد وزير الخارجية الأميركية كريستوفر هيل إلى بيونغ يانغ للبدء في مفاوضات مباشرة بين الطرفين، ردت واشنطن بالرفض، ليست هناك حوافز جديدة ولا محادثات مباشرة مع كوريا الشمالية.

ويجادل مسؤولو إدارة بوش بأن الحوار الثنائي المباشر مع كوريا الشمالية لن يؤدي، على الأرجح، إلى إحراز أي تقدم حقيقي. وربما يعتقد كيم أن الوقت قد حان للتصعيد قليلاً. ومازال من غير الواضح لماذا أقدمت كوريا الشمالية على إطلاق الصاروخ.

إذا كانت حكومة كيم تأمل فقط في استعادة الاهتمام العالمي بها والضغط للحصول على بضعة تنازلات إضافية من كوريا الجنوبية وإطلاق صفارات الإنذار في سيئول وطوكيو، وواشنطن، فإن مجرد التهديد الموثوق بإجراء الاختبار الصاروخي ربما كان سيحقق النتيجة المرجوة منه الآن.

فقد عبر المسؤولون الأميركيون واليابانيون عن استيائهم. ودب الرعب في الأسواق الآسيوية. والصين أصبحت أكثر ميلاً للضغط من أجل استئناف المحادثات السداسية قريبا والتي كان يمكن أن تحقق بعض أهدافها. أما وقد أطلقت كوريا الشمالية صاروخها فإن هذا يشجع الولايات المتحدة واليابان على تشديد العقوبات الاقتصادية،

ويجبر كوريا الجنوبية ولو مؤقتاً على دعم المواقف الأميركية واليابانية المتشددة ويثير الأصدقاء في بكين ويساعد أنصار أنظمة الدفاع الصاروخي في الولايات المتحدة واليابان على تجديد دعواتهم للتحرك الفعلي. لكن ليس من المرجح أن يطرأ أي تصعيد ذي شأن للصراع.

فالتصعيد ليس في مصلحة أحد. والولايات المتحدة لا تريد عزل كوريا الشمالية أو اعتراض طريق سفنها في عرض البحر أو اتخاذ أي إجراءات ربما ينظر إليها كعمل من أعمال الحرب. وكيم من جانبه يريد المزيد من التنازلات، لكنه لا يريد التحرك باتجاه الصراع المفتوح.

لكن بالطبع من الخطورة بمكان بالنسبة للأجانب أن يفترضوا أنهم يفهمون تماماً كيف تحسب القيادة الكورية الشمالية مصالحها. وربما تعتقد هذه القيادة أن إطلاق صاروخ طويل المدى قد يسلط الأضواء عليها من جديد وسيحث الآخرين على منحها المزيد من الحوافز. لكن حتى صاروخ تيابودونغ 2 قدرته محدودة في تحويل أنظار العالم بعيداً عن إيران.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز»

خاص ل«البيان»