وسط التجمع الإعلامي الأجنبي الذي جاء إلى الكويت ليتابع سير الانتخابات الكويتية، سألني معلق أوروبي عن تأثير المشهد الذي كان يتابعه على تطور النهج السياسي في دول مجلس التعاون، ووضع السؤال في صيغة المتفهم للوضع العام في المنطقة والعارف بالمزاج الخليجي في الرغبة في الإصلاح والتحرر من قيود ثقيلة يعاني منها الخليج وأخرت متطلبات الإصلاح،
وصديقنا القادم من الشمال يدرك أيضاً شغف المتابعة الخليجية لواقع الكويت وعلى دراية بحساسية أصحاب القرار الخليجي تجاه التعقيدات التي تعيشها الكويت منذ عام 1962، ومعاناتها من التأزم. ومن المنطقي أن يتابع أهل الخليج أحداث الكويت فيقول أحد الكتاب، بأن الكويت هي الرائدة سياسياً لكل شعوب المنطقة،
فالقلوب ترنو دائماً لجني الخبرات من هذه الإمارة الصغيرة في المساحة الكبيرة في الإنجازات، وأن ما حصلت عليه المرأة الكويتية من تجربة يعتبر إضافة تاريخية لدولة المؤسسات الدستورية في دول مجلس التعاون. كنت في الخليج في شهر فبراير الماضي وبعد الانتهاء من جلسة المبايعة التامة للشيخ صباح الأحمد كأمير لدولة الكويت بعد وفاة الأمير الراحل الشيخ جابر،
وكانت الأسئلة الكثيرة في الخليج عن الدور غير المألوف لمجلس الأمة في اتخاذ قراره في تجاوز الموروث وحسم الأمر في المبايعة الجماعية للشيخ صباح، كان هناك استحسان للدور التاريخي المميز وكانت هناك أيضاً تساؤلات عن مخاطر خلق السوابق في المنطقة، لأن ما يتم في الكويت قد يصبح نموذجاً يستشهد به مستقبلاً.
وعلينا أن نبدي ملاحظات حول دروس الخليج من أحداث الكويت، وهي واضحة لكننا نضعها الآن بالصورة التالية:
أولاً: لا يمكن تجاهل الدور المؤثر للإعلام الكويتي، صحافة ومؤسسات في تأكيد المساحة التي تتسع في دول الخليج في حرية التعبير والدفاع عن الرأي وبروز التنوع، وتجذير واقع الحرية الإعلامية التي نشهدها في الإعلام الخليجي، في صحافة قطر والبحرين والإمارات وفي التسخين الصحفي السعودي. وحرية الإعلام الكويتي هي أكبر إنجاز للنظام الدستوري الكويتي،
ورغم الانتكاسات التي رافقت حياة البرلمان، فقد ظلت الساحة الإعلامية الصحفية حرة بلا قيود، وأفضل من حجم الساحة السياسية لأن المسؤولين في الصحافة الكويتية مارسوا ضبط النفس والرقابة الذاتية، فلم يندفعوا في الإساءة وفي سوء الاستخدام، وبدون شك ساهمت هذه الفضيلة في اطمئنان أصحاب القرار الخليجي مع التسامح في حق التعبير الحر دون قيود.
واستفاد الإعلام الخليجي من حرية القول الكويتي في عدة أشكال، في صياغة المواد داخل الكويت، وفي استكتاب الأقلام الكويتية، وفي ترسيخ وصول المعلومات عن طريق مراسلين معتمدين، ووصول الصحافة الكويتية المقروءة هناك..
ثانياً: لا يمكن أيضاً تجاهل ما خلقه النظام الدستوري الكويتي من اهتمامات أدت إلى رفع سقف المطالب الخليجية السياسية في المشاركة في القرار وفتح الأبواب المغلقة للتيارات المختلفة في الظهور إلى السطح، وممارسة العمل بحرية وعلنية وفق ضوابط تخرج في شكل دستور شبيه بالدستور الكويتي،
وعلى الجانب الآخر نرى التخوف الرسمي الخليجي من حالة التأزم السياسي الكويتي الدائم، هذا التخوف تمثل في السعي لإخراج برلمانات خليجية متنوعة ومشكلة من مجلسين واحد منتخب وآخر معين - مثل حال البحرين - من أجل ضمان الاستقرار في استخراج المشاريع دون جمود،
ونرى في قطر السعي المستمر من أجل التوصل إلى صيغة يرتاح لها ضمير الحاكم ولا تضايقه في ممارسة العمل في شكل مجلس ثلثه معين والباقي بالانتخاب مع صلاحيات واضحة لا تمس الصلاحيات الاستراتيجية، ونرى محاولات الإمارات تعيين الجمعية العمومية المكونة من أكثر من أربعة آلاف مواطن يتم الانتخاب من هذه الشريحة للبرلمان المقبل، وحالة عمان لا تختلف وفي السعودية يستمر الحديث عن المجلس المطعم بالتعيين وبالانتخاب.
ويعلق أهل الخليج كثيراً على سرعة التبديل في الوزراء وقصر المدة التي يقضونها في الوزارة واستحالة تحقيق انجازات بسبب ضيق الوقت وبسبب الخناقات البرلمانية والقذائف الطائشة التي جعلت التوزير معاناة سياسية واجتماعية، أضعفت من المقام الوزاري، وأدت إلى ابتعاد رجال المواقف الذين تحتاجهم الكويت للارتفاع بالأداء السياسي.
جاءت هذه الحالة الخليجية من متابعة مكثفة لوضع الكويت الذي ترى فيه التجمعات الخليجية مزيجاً من التطور المرغوب فيه، ومن مسببات الفوضى والتقهقر والانفلات وغياب سطوة النظام واختراق القانون، مما يدفعها إلى البحث عن صيغ أخرى مريحة.
وإذا كانت الكويت قادرة بسبب قوة جبهتها الداخلية وثرائها على التعايش مع أوراق الأزمات واعتادت على الصخب وميوعة الانضباط، فهناك دول أخرى لا تملك هذه الخصلة الضامنة للاستمرار، ولا تستطيع أن تجازف باتباع دبلوماسية الاسترضاء والاسترغاب بتوفير الخدمات والحوافز للحصول على رضاء البرلمان.
ثالثاً: هناك مخاوف من تضخم الشعور بالإعياء وبالضيق من النهج الديمقراطي الكويتي الذي يرى فيه عدد كبير من الناس سبباً في تأخر الكويت وتلاشي وهجها، وضياع قرارها بين التأجيل والتعطيل والرفض والتجميد، كما نرى ذلك في قرارات استراتيجية حول المشاركة النفطية الأجنبية، وتأجيل قرارات حول الاستثمار الأجنبي وترشيد الإنفاق العام والتسيب الإداري وانكماش فعالية الإدارة الكويتية.
وهذا الشعور متوفر في الخليج وفي الكويت، والعلاج ليس بالضجر والضيق وإنما باستعادة العناصر التي لا يستغنى عنها في النظام الديمقراطي، وهي الحرية، وسيادة القانون، والمساواة في حقوق المواطنة، والشفافية والانضباط الاجتماعي والسياسي ودور منظمات المجتمع المدني.
من المؤكد أن الكويت بحاجة ماسة إلى هذه العناصر لإبعاد الشعور بالإعياء والتذمر، ولا يتحقق ذلك إلا بالدور المميز لمنظمات المجتمع المدني، في التثقيف والمتابعة والحضور المستمر لأن الديمقراطية تتجلى وتنتعش في المجتمع الناضج المطلع، وتترسخ بالدور الفعال للتجمعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية دور النخب المتعارف عليها.
رابعاً: تدرس المرأة الخليجية نتائج انتخابات الكويت التي لم تفز فيها أي مرشحة كويتية، وبالطبع فإنها تتابع أسباب هذا التعثر، وتقرأ تحليلات الكويت عن هذه الظاهرة الجديدة على المشهد السياسي الخليجي، حيث تؤكد الحصيلة بأن السيدات اخترن الرجال كمرشحين واخترن الرجال المحافظين أيضاً، وكما يتضح من الإحصائيات التي نشرتها الصحافة الكويتية فإن أعداداً كبيرة نسائية صوتت للمرشح المحافظ الذي لم يصوت مع قرار المرأة، بينما لم يحصل المرشح المساند للمرأة على الأصوات النسائية التي يمكن أن ترجح كفته.
تقول الدكتورة بدرية العوضي في مقال لها في صحيفة القبس يوم الخميس الماضي (السادس من يوليو) وهي ناشطة ومتابعة وأستاذة في القانون، بأن الغريب هو إصرار بعض النساء وهن يمارسن حقوقهن السياسية على التصريح بأن المرأة غير مؤهلة لممارسة هذه الحق ويجب أن يقتصر ذلك على الرجل المرشح لأنه الأكفأ والأصلح لهذا العمل.
وتضيف بأن المرأة الكويتية كافأت المرشح الذي عارض حقها السياسي بالتصويت له في الانتخابات الحالية، والدليل على صحة ذلك فوز خمسة من النواب بفضل أغلبية أصوات المرأة الناخبة في الدوائر الثانية، والتاسعة، والسادسة عشرة، والسابعة عشرة والتاسعة عشرة، إضافة على عشرة نواب ممن صوتوا ضد حق المرأة السياسي في مجلس الأمة يوم 17 مايو 2005.
وفي الجانب الإيجابي لا شك بأن أهل الخليج يدركون بأن مشاركة المرأة الكويتية هو إقرار لمبدأ السيادة والمساواة ورفض التفرقة والامتثال لمبادئ الإسلام السمحة، ولعلها تكون خطوة كويتية _خليجية في تحدي التعصب القديم ورفض الأعراف البالية، وهي علاج للتحقير ولممارسة التمييز، وأن أداء المرأة الكويتية في الانتخابات هو بداية مشجعة لا ترضي ولكنها خطوة كبرى نحو العدالة الاجتماعية ونحو دفن الموروث المريض وتخليص المجتمع الخليجي منه.
أهل الخليج يدركون بأن ما حدث في الكويت في 29 يونيو2006 سيحدث عندهم وفي منازلهم وفي مواقع الانتخابات الخليجية المقبلة. أحداث الكويت هي المؤشر الخليجي نحو التغيير وجاءت في تطورها بالمؤشر الذي يدفع نحو المساواة، وسيبقى الخليج يتابع الكويت في إرهاقها وصخبها وحيويتها السياسية والفكرية ومبادرتها الإنسانية، يحاول تحاشي المزعج، ويتبنى المريح.
كاتب كويتي
Abdullah_bishara@yahoo.com