يتساءل المرء وهو يطالع شاشة الحاسب، وقد قرر أن يكتب عن فلسطين والأحداث التي تجري هناك، ماذا يمكن له أن يكتب؟ وأي لغة تستطيع أن تخط على الورق صرخة الألم واليأس والقهر التي تطالعنا بها وجوه الناس هناك؟ أي لغة تستطيع أن تنتزع من الأعماق عبء السنين الطوال التي لا تبدو لها نهاية،

ولا يبين فيها بارقة أمل تغسل النفوس العطشى وتمسح عن القلوب ركام الظلم والتقاعس والتآمر والغدر والخيبات الكثيرات التي لا عدّ لها ولا حصر؟ وماذا نقول لكم.. ماذا نقول لكم ؟ أنتم يا من تقبعون هناك وحدكم تتلظون بنار عدو غاشم حاقد لا يكل ولا يمل، ولا تقف عند حد أطماعه، ولا ترى في الأفق نهاية لتجبره وغطرسته واستعلائه؟ أما زلتم تولون وجوهكم شطرنا؟

نحن الذين احترفنا مشاهدة التلفاز ومطالعة الصحف.. نتأمل الصور على الورق.. نتفحصها جيدا.. لنرى النظرة نفسها.. ما زالت هناك.. رغم تغير الوجوه.. ودوران الزمن.. نعم ما زالت تلك النظرة تقفز علينا من ورق الصحف.. ما زالت وستبقى.. نظرة الأخ يستنجد بأخيه.. نظرة تائهة معلقة في فضاء الموت تستصرخ، وظلال من أمل يحتضر تصارع لتطل منها..

نظرة تولي وجهها شطر الإخوة الأحبة الذين يحنون الرؤوس أكثر لتقترب من الصورة وتطمئن أنكم هناك ما زلتم على أمل.. وأنّ العيون ترسل إلينا- رغم كل العذابات التي تعجز اللغات عن بيانها- نداءاتها.. نداءات البحث عن الملاذ والمأوى والنجدة والعون.. نداءات الدم والدين والعروبة.. نداءات التاريخ والحضارة العظمى التي كتب علينا معا أن نحمل عبقها وعبئها.. نعم.. ما زالت عيونكم حيّة بالنداء الذي لم تطفأ جذوته..

ما زال القلب يخفق في صدوركم بنداء العروبة والدين.. نعرف هذا جيدا حين ننكفئ على صوركم ونمعن النظر جيدا.. فنقرأ من بين الدم والدموع والسواد والغبار رسالتكم.. تلك التي قرأناها ونحن صغار.. أطفال نطالع الصور على عجل ونمضي وسؤال يتردد في الفؤاد: لماذا لا نساعدهم؟

لماذا لا يساعدهم العرب؟.. وها نحن قد كبرنا.. وعرفنا.. لكن صوركم لم تتغير.. ورسالتكم لم تتغير.. وسؤال الأطفال الصغار ما زال يتردد في الفؤاد.. لكنه اليوم بألف جواب.. وكل الإجابات تعمق المأساة، وتكشف لنا عوارنا وعرينا الذي ما عادت كل المحاولات قادرة على ستره وإخفائه..

ما عاد الإخوة العرب يخجلون من صمتهم، وما عادوا يحاولون محاولاتهم المكشوفة الساذجة لذر الرماد في العيون، فما عدنا نسمع استنكارا ولا رفضا ولا تعليقا، ما عدنا نسمع صوتا مرتعشا بالخوف والذعر من هنا أو هناك يحاول أن يرضي الناس الغاضبين، لأن الناس الغاضبين اختفوا أيضا، وحل محلهم أناس يتعاملون مع الأحداث بالمرونة والذكاء والفطنة التي تتطلبها ظروف العصر.

ما عاد الموقف الرسمي العربي يشعر بالحرج أو يحس بالضغط الذي يجبره على اتخاذ موقف كاذب كالمواقف الكثيرة التي اتخذها سابقا والتي قرأناها وسمعنا بها. ما عاد الصمت والتجاهل والتعامي والتواطؤ يخجل العرب اليوم. وما عادت فلسطين أرض الأقصى، ولا أرض الإسراء والمعراج، ولا قضية العرب والمسلمين. فلسطين اليوم وحدها بلا أفق يبعث الأمل ولا صدى يردد الصوت.

لقد تغيّر الزمن كثيرا، وانقلبت المفاهيم، واستجدت في التاريخ مستجدات لا عد لها ولا حصر، حتى اللغة تغيرّت وتنكرت لذاتها فوأدت كلمات وولدت كلمات جديدة تماشيا مع العصر الجديد، فلم يعد أولادنا يكبرون على « الوطن العربي» كما كبرنا نحن، بل إنهم اليوم يكبرون على «الشرق الأوسط». ولم تعد فلسطين قضية العرب الأولى، بل هي قضية الفلسطينيين وحدهم؛ فالعروبة - كما يصرح بعضهم- أكذوبة يجب أن نتخلص منها، وأن نحرر أنفسنا من عبئها، وننشغل بما هو أولى وأهم لبلادنا ومستقبلنا.

وإن المرء ليتساءل هل يستطيع أحد - مهما أوتي من القوة والحصانة- أن يجعل التاريخ أكذوبة؟ وهل تستطيع أمة أن تتنكر لتاريخها وتمسحه من ذاكرتها تحت وطأة القوة والسلاح والاستبداد والخيانة؟ وتحت وطأة التواطؤ مع العدو والاستجابة لضغوط القوى الغالبة القاهرة؟ وإذا كان كل هذا قد حدث حقا، فالوقائع التي نقرأ، والتصريحات التي نسمع تؤكد لنا أنّ هذا الزمن ليس زمن الأمة الواحدة، وأنّ كل واحد منا اليوم في شغل شاغل عن أخيه.

إذا كان هذا هو واقع الحال اليوم فلماذا ننكفئ كل صباح على الصحف نبحث في أعماق صوركم عن تلك الرسالة التي لا تموت بيننا؟ لماذا يتمزق الفؤاد ويعتصره الألم وهو يقرأ في وجوهكم الصامدة تاريخه وعزّه وكرامته؟ لماذا نفرح إذا فرحتم؟ ونبكي إذا بكيتم؟ لماذا تولون وجوهكم شطرنا؟ ونولي قلوبنا وآمالنا وأحلامنا شطر أرضكم- أرضنا؟ أي وهم هذا الذي نعيشه نحن وأنتم؟ وأي أكذوبة هذه التي تجعلنا نغص بالدموع كلما طلت علينا صوركم ملطخة بالدماء والبكاء والألم؟

فلسطين التي تحترق هناك وحدها ما زالت تتشبث بنا.. ما زال ترابها وأطفالها ونساؤها وشيوخها يولون وجوههم شطرنا..وإننا لنراهم على حق وإن كنا نحن نشعر بالخزي العميق حين نعلم أننا عاجزون عن فعل شيء. إنهم على حق لأنهم يدركون بحدسهم الذي لا يخطئ حركة التاريخ وما يمور في ضمير الشعوب، إنهم يعلمون بتجربتهم المصفاة أن السطح خداع،

وأن ما تخفيه شعوب هذه الأمة في أعماقها يستعصي على التسرب في الأغوار العميقة دون أثر يذكر، بل إن هذه المشاعر التي تختزن القهر والشعور بالإهانة مرشحة يوماً ما إلى التعبير عن نفسها بصورة لا يمكن أن يتنبه لها الواهمون الذين لا يقرأون إلا السطوح الممعنة في الخداع والتضليل.

إنهم يمدون أبصارهم إلينا لأنهم يعرفون عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا. إن حدسهم صادق أشد الصدق، وإنهم أعمق رؤية وأشد حكمة مما قد يظن الواهمون. فطوبى لكم أيها المرابطون الواقفون على شفرات السيوف في ليل بهيم بهيم، لأنكم تدركون بإيمان منقطع النظير أن هذا الليل مهما يخيم الظلام لا بد أن ينجلي عن صبح بهي جميل.

جامعة الإمارات