تبدو مسألة تحديد «الهوية» واحدة من المسائل البالغة الأهمية في عصر «العولمة»، وتبدو الحاجة إلى تحديد حدود العلاقة بينهما أكثر من ضرورة لتجنب الكثير من الالتباسات في المفاهيم وتحديد علامات الطريق في أقطار وطن تجمعه «القومية» يمتد من «الخليج إلى المحيط»، هو جزء من أمة يجمعها «الدين» تمتد من «المحيط إلى المحيط».
ويزيد من أهمية مناقشة هذه المسألة، تلك الخلافات السياسية والثقافية التي تثور بين مكونات المجتمع الوطني الواحد، القومية أو الدينية أو المذهبية حول «الهوية». وهنا يكون لدينا أطر ثلاثة تحيط بمناقشتنا لهذه المسألة هي، الهوية الوطنية، والقومية، والدينية، هذا في الوقت الذي تسعى فيه العولمة إلى تجاوز الحدود.
حيث تتآكل في إطارها الأوسع حدود الدولة الوطنية، وتذوب فيها الارتباطات القومية، وتتوارى فيها الانتماءات الدينية، أي العمل على تفريغ «العالم التابع» لصالح «العالم القائد» من أي عائق، ليصبح بلا لون ولا طعم ولا رائحة، ليسهل بعد ذلك «تغريبه» ثم «أمركته» عندما تحل فيه الثقافة الغربية والقيم الأميركية محل ثقافات شعوب الأوطان والأمم، وفقا لنظرية «ملء الفراغ» الأميركية الشهيرة التي أطلقها في منطقتنا العربية الرئيس «ايزنهاور».
في الإطار الوطني، فإن الوطن الواحد أشبه بعالم مصغر تتعدد فيه الانتماءات الدينية والقومية والثقافية، لكنه مع ذلك تتوحد فيه روابط العيش والمصلحة والمصير المشترك، وتتوزع فيه الحقوق الإنسانية على أساس المواطنة المتساوية، والواجبات على أساس الشراكة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في وطن واحد وفق عقد دستوري واحد تعبيرا عن هوية موحدة هي الهوية الوطنية.
ولكن العولمة بمفاهيمها الجديدة لا تعترف بالشراكة داخل حدود الأوطان، ولا بالسيادة الوطنية كمظلة قانونية لها، ولا بحقها في الحفاظ على ثقافتها التاريخية، ولا في اختيار نهجها السياسي أو الاقتصادي أو حتى واقعها الاجتماعي، حيث يجري باسمها اختراق السيادة ومسخ الثقافة وتطويع السياسات لخدمة الاقتصاد، ووضع الاقتصادات النامية في خدمة الاقتصادات الصناعية الكبرى.
وفى الإطار القومي، حيث يبرز مصطلح «الوطن»، وتنبع الهوية الواحدة فيه من انتماء ثقافي وتاريخي وعرقي واحد لقاعدة بشرية عريضة تمثل شعبا واحدا على امتداد جغرافي واحد تتوحد مصالحه ومصيره، ويجمعه في الواقع وطن واحد مقسم إلى دول تتصف كلها بهوية قومية واحدة، والوطن العربي الذي تشكل عروبته هويته الجامعة هو نموذج مثالي لهذه الهوية القومية.
لكن هذا الوطن العربي وهذا العنوان العربي الثابت لغالبية الشعوب التي تسكن المنطقة الممتدة من الخليج إلى المحيط، تجري محاولات من قوى العولمة الدولية الكبرى لتغييره بهدف تذويب أية هوية جامعة لأبناء هذه المنطقة على أساس قومي، حيث تطلق على الوطن العربي اسماً جغرافياً هو «الشرق الأوسط وشمال إفريقيا».
وفى الإطار الديني، حيث ينبع مصطلح «الأمة» لتجمع عدة أوطان، تأسيسا على العقيدة الدينية الواحدة، وهي هنا «الأمة الإسلامية» التي تجمع غالبية القوميات التي تنتمي إليها شعوب هذه المنطقة الممتدة من «المحيط إلى المحيط»، من طورانية وفارسية وكردية وغيرها من القوميات المتعددة، لكنها الشعوب الموحدة والمتوحدة في هوية إسلامية جامعة.
لكن الإدارة الأميركية لم تكتف بهذا الذي فعلته القوى الاستعمارية القديمة بتقسيم الوطن العربي والهيمنة عليه، وإنما راحت جغرافياً أيضاً توسع مساحة هذا الفعل بطرح استعماري جديد بمشروعها المسمى «الشرق الأوسط الكبير» الممتد من إندونيسيا إلى موريتانيا أي من «المحيط إلى المحيط»، وهي المنطقة التي تعارف العالم على تسميتها «بالعالم الإسلامي»، وهذا الذي يجري تخطيطه في الإطار الدولي العام لهذه المنطقة يعكس سعياً عولميا بمسميات جغرافية لتذويب الهوية العربية في «الشرق الأوسط وشمال إفريقيا».
والهوية الإسلامية في «الشرق الأوسط الكبير»، خصوصا عندما نتذكر أن «الشرق الأوسط» هو مصطلح استعماري يعكس موقع هذه المنطقة ويميزه عن الشرق الأدنى والشرق الأقصى من بريطانيا، وإذا كان هذا هو ما يراد لنا من غيرنا.. فهل آن الأوان لتحديد هويتنا حتى لا نذوب في هوية غيرنا، وتحديد ما نريده لأنفسنا حتى لا نتوه في دروب يرسمها لنا غيرنا ؟
mamdoh77t@hotmail.co