كشف العدوان الإسرائيلي الأخير على مناطق قطاع غزة والضفة الغربية، سياسة النفاق التي دأب على ممارستها «حزب اليسار الصهيوني» المسمى بحزب العمل الإسرائيلي، الشريك الفعلي لحزب كاديما في موقع القرار في الدولة العبرية الصهيونية.
كما كشف العدوان زيف الادعاءات السلامية التي طالما تشدق بها قادة حزب العمل ورئيسه المستجد اليهودي المغربي «السفارديمي» عمير بيريتس، وهي الادعاءات التي طالما خدعت البعض من صناع القرار السياسي في المنظومة السياسية الدولية، بينما حقيقة الوقائع على الأرض تشي بشيء آخر.
فحزب العمل وعلى لسان زعيمه، وزير الحرب في حكومة ايهود أولمرت يعلن ويكرر القول ان «العملية العسكرية الإسرائيلية النوعية مازالت تنتظر إشارة البدء لاجتثاث الإرهاب الفلسطيني». ويسير عمير بيريتس أكثر فأكثر في خطواته ومساعيه السياسية متسقاً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، في تأليب العالم على الحكومة الفلسطينية التي انبثقت بفعل العملية الديمقراطية التي جرت يوم 25 يناير2006.
ومحملاً إياها مسؤولية انفجار الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مع أن القاصي والداني يدرك ويعلم أن درجة الانضباط الفلسطيني كانت عالية في الالتزام بالتهدئة، الا أن سياسة القتل والتصفيات الاسرائيلية لم تتوقف لحظة واحدة، وكانت سبباً مباشراً في توليد رد الفعل الفلسطيني المشروع. في هذه اللجة، تمزقت الستائر عن الوجه الحقيقي لأحزاب «اليسار الصهيوني» خصوصاً منها حزب العمل، وبرز نفاقه صارخاً على أرض الواقع.
وبالاجمال، فان حال الأحزاب والقوى المحسوبة على «اليسار الصهيوني» أكثر تعقيداً نظراً لاتساع الطيف السياسي للقوى المنضوية تحت جناح «اليسار الصهيوني» من جهة، ولحالة التخبط التي تعيشها من جهة ثانية.
فهي قوى تماهت مع اليمين الصهيوني ونزلت حتى عند برنامجه، وكادت أن تفقد هويتها البرنامجية والسياسية في خضم عملية التسوية الجارية منذ عقد ونيف من الزمن، وتفاقمت أزماتها مع اندلاع انتفاضة الأقصى والاستقلال الفلسطينية إلى درجة أن تماهت كتل رئيسية منها مع العديد من مواقف زعيم (الليكود سابقاً/كاديما حالياً) ارييل شارون وخليفته ايهود أولمرت في حربه الأخيرة ضد الشعب الفلسطيني، كما جاء هذا في تأييد القيادي العتيق في حزب ميرتس يوسي ساريد لعمليات تصفية واغتيال نشطاء وكوادر الانتفاضة الفلسطينية.
وفي الجانب المتعلق بمفهوم «اليسار الإسرائيلي» فإن العبارة إياها أصبحت «مطاطة » «تضمر وتتسع» تبعاً للتحولات والتقلبات التي جرت وتجري داخل المجتمع اليهودي على أرض فلسطين. فاليسار الإسرائيلي يتشكل من طيف عريض من القوى التي تضم ما يسمى أحزاب اليسار الصهيوني من حمائم حزب العمل، مروراً بكتلة أحزاب ميرتس الثلاثة (شينوي، راتس، مبام) وهي تمثل بمجملها «اليسار الصهيوني».
وعلى هذا، فإن التحولات التي جرت وتجري في المنطقة منذ بدء عملية التسوية عام 1991 والتي تركت آثارها داخل المجتمع الإسرائيلي وتحديداً داخل التجمع اليهودي، أدت إلى تغيير متواصل في ترتيب نسق الاصطفافات والائتلافات الحزبية الإسرائيلية أكثر من مرة على امتداد العقد الأخير من القرن المنصرم.
وبالتوازي تغيرت مواقع «اليسار الصهيوني»، وتأرجحت الاصطفافات حتى على مستوى الأفراد أصحاب الحضور السياسي المعروفين بالأشخاص سريعي التقلب والتجوال من حزب إلى آخر إلى درجة اعتبر البعض هذا التجوال بمثابة سياحة سياسية بين الأحزاب. وكل هذه الاصطفافات لا يمكن النظر إليها إلا باعتبارها نتاج للتحول والحراك داخل التجمع اليهودي على أرض فلسطين 1948 على خلفية الكفاح الفلسطيني والصراع الجاري في مجرى عملية تسوية مأزومة لا آفاق لها في ظل صيغتها الراهنة والمعادلات المختلة التي تحكم مسارها المتعثر.
وخلاصة القول، إن ما يسمى بـ «اليسار الصهيوني» ليس سوى شريك فاعل لايهود أولمرت في حربه المفتوحة ضد الشعب الفلسطيني، فتماهى مع المنحى السياسي للاتجاهات الرئيسية لسياسات وبرنامج حزب كاديما، وتالياً أطبق الصمت على حركة ما يسمى بالقوى السلامية اليهودية.
كاتب فلسطيني ـ دمشق