وصل الفكر الإنساني إلى ذروة عالية ونادرة قبل نحو 2300 عام في شمالي الصين، مع التوصل إلى صياغة للحكمة الجماعية المتعلقة بالحرب عبر نص مكتوب، هو الذي وصل إلى أيدينا تحت عنوان «فن الحرب»، وعلى الرغم من أن هذا النص ينسب تقليدياً إلى القائد والمخطط الاستراتيجي صن تسو، إلا أن هذه الحكمة الجماعية تعود إلى حشد من القادة الذين تربطهم صلة القرابة، والذين قدموا منظوراً جديداً للصراع، يمكن للمرء بمقتضاه إحراز النصر من دون المضي إلى المعركة.
من هنا، على وجه الدقة، يحاول الفكر الاستراتيجي الأميركي اجتياز معضلة حقيقية، قوامها التواصل إلى الفوز في الحرب في العراق بالخروج من الرافدين بأقل قدر ممكن من الخسائر، سواء على صعيد الخسائر البشرية والمادية، أو على صعيد الأمن القومي الأميركي، أو على صعيد العلاقات الأميركية بعواصم المنطقة.
لكي نفهم هذا التحول يتعين علينا أن نقارن بين الوضع بعد سقوط بغداد في أيدي قوات الاحتلال مباشرة والموقف السائد هناك اليوم.
بعد ذلك السقوط المدوي، بدا واضحاً للعيان أن الإدارة الأميركية تنظر إلى العراق باعتباره غنيمة كبرى تم الفوز بها، ومن هنا جاء الاستبعاد الصريح للشركات الفرنسية والألمانية والروسية من عقود إعادة الإعمار، ويكفي أن نتذكر أن قيمة هذه العقود في قطاع النفط وحده قدرت بعشرة مليارات دولار.
وقوبلت جهود توني بلير رئيس الوزراء البريطاني لإسناد دور محوري للأمم المتحدة في العراق برفض أميركي صريح، ولم تتردد الولايات المتحدة في توصيف نفسها رسمياً باعتبارها قوة احتلال في العراق.
في ضوء هذا الوضع الراهن، فإن الفكر الاستراتيجي الأميركي يملك من القوة والتماسك والوضوح، في ضوء دروس التجربتين الفيتنامية والبلقانية، ما يسلم معه بحقائق لا موضع للتشكيك فيها، وأولها أن الاستراتيجية الراهنة التي تتبعها الولايات المتحدة والقائمة على ثلاثة أبعاد محددة هي تأييد حكومة ائتلاف وطني في العراق.
ودعم جهود تشكيل وحدات للدفاع والشرطة والأمن الداخلي انطلاقاً من بغداد، ومواصلة البقاء في العراق بقدر ما يقتضي الأمر سحق الحركة المسلحة القائمة حالياً، هذه الاستراتيجية من المحتم أن الفشل سيكون مصيرها أياً كان ما ستفعله إدارة بوش، وأياً كان المدى الذي يمكن أن تصل إليه في استقطاب تأييد الشعب الأميركي للحرب في العراق.
الفكر الاستراتيجي الأميركي يمضي خطوة أبعد، وإن لم تكن في وضوح سابقتها، حيث نجد تياراً بكامله من المحللين الأميركيين لا يتردد في الإعراب عن الاعتقاد بأن الحرب في العراق قد خسرتها الإدارة الأميركية بالفعل، وبالتالي فإن جهودها لجعل الشعب الأميركي يؤيد هذه الحرب هي جهود بلا طائل في حقيقة أمرها.
رموز هذا الفكر تطرح الآن سؤالاً محدداً، وهو: ما العمل؟
ومعه يتعين أن تمضي الإدارة الأميركية في المحاولة في العراق؟ كيف يمكن للقوات الأميركية الخروج من العراق بأسرع وقت ممكن وبأقل الخسائر من دون إلحاق ضرر غير قابل للمعالجة بالأمن القومي الأميركي؟
هل هناك مجال للخروج وفي الوقت نفسه الإبقاء على نقاط قوية تكفل استمرار دعم المصالح الأميركية وفي مقدمتها النفط؟ هل هناك إمكانية للحفاظ على التوازن بين شعار إدارة بوش عن النموذج الديمقراطي في العراق وأفضل وضعية للعلاقات بين واشنطن وجيران العراق؟
في مواجهة هذه الأسئلة، وفي مواجهة التعقد المستمر للوضع في العراق، تطرح نماذج أو صياغات أو اقتراحات، لم يقدر لها أن تحظى باهتمام حقيقي في عالمنا العربي، علماً بأننا قد نجد في الغد القريب أنها يمكن تبنيها من جانب الإدارة الأميركية لتتحول إلى واقع يتعين علينا التعامل معه على الأرض العراقية.
في هذا الإطار قد يكون من الضروري أن نتوقف بالتأمل والتساؤل ومحاولة الاستيعاب عند عدد من النقاط، التي أتصور أنها ذات أهمية بالغة لكل من يعنيه الشأن العراقي من قريب أو بعيد.
أولاً: يطرح لنا الباحث الأميركي ستيفن بيدل، صاحب المقال الشهير «رؤية بغداد، التفكير في سايجون»، الذي يعتبره الكثيرون أهم مقال نشر في الأدبيات السياسية الأميركية منذ نشر مقال صمويل هنتنجتون في صياغته الأولى عن «صراع الحضارات» ـ يطرح ثلاثة مؤشرات قد يمكن من خلالها تبين ما إذا كانت هناك فرصة للنجاح أمام واشنطن للتعامل مع الوضع المتأزم في العراق.
مع التسليم بأنه ليست هناك صياغة للتنبؤ بما قد يجري على الساحة العراقية في المستقبل القريب، وهذه المؤشرات هي كما يلي:
أ ـ هل الهوة الممتدة بين مواقف الأطراف في العراق حول القضايا الدستورية الأساسية تضيق أم تتسع بفعل الضغوط الأميركية عليها؟
ب ـ هل شيعة العراق موحدون؟ ذلك أن إجراء مفاوضات ثلاثية بين الشيعة والأكراد والسنة في العراق تحت ضغوط أميركية يعد عملية بالغة التعقيد في ذاتها، وإذا ثبت أن هناك انقسامات داخلية على جبهة الشيعة، فإن ذلك قد يبرهن على أن هذه العملية حافلة بالتحديات إلى حد الاستحالة.
ج ـ هل استنفدت واشنطن كل قدرتها على فرض حل وسط على الفرقاء في العراق؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن عليها أن تخرج من العراق أياً كانت العواقب، وإذا لم يكن الأمر كذلك فإن عليها تصعيد ضغوطها.
ثانياً: البديل الأكثر وضوحاً، بحكم تكامل عناصره، للوضع الراهن في العراق، من منظور تيار قوي في واشنطن، هو المشروع الذي وصف باللامركزية، والذي سبق لنا إلقاء الضوء عليه، ويتصدى للدعوة له ليزلي ه. جيب الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية الأميركي.
وهو في جوهره تقسيم فعلي للعراق إلى ثلاث دول، هي دولة كردية في الشمال وشيعية في الجنوب وسنية في الوسط والغرب، مع تغطية التقسيم بحكومة غير مركزية محدودة الفعالية في بغداد يسند إليها بشكل أساسي توزيع العائدات النفطية لجعل الدولة السنية قابلة للحياة، مع تعويض ضعف الحكومة المركزية أمام جيران العراق بصيغة تعيد ترديد أصداء حلف بغداد وحضور غامض الصيغة للناتو في العراق.
ثالثاً ـ إذا كان مشروع ليزلي جيب هو البديل الأكثر وضوحاً في واشنطن للخروج من الورطة الأميركية الراهنة في العراق، فإنه ليس بحال المشروع الوحيد، ولكنه يتميز بأنه الأكثر تبلوراً وتكاملاً في عناصره وإثارة للحماس في دوائر معينة في الخارجية الأميركية، والاقتراح الذي يليه في إثارة الاهتمام في واشنطن يدور حول السيناريو الذي تقدم به لاري دايموند الزميل الأقدم في معهد هوفر، ومؤلف كتاب «الانتصار المبدد» الذي يدور حول الاحتلال الأميركي للعراق.
وهذا السيناريو يؤكد أن الاستراتيجية الوحيدة المتاحة أمام أميركا في العراق هي التعجيل بجهود وساطة بين الفرقاء في العراق بمساعدة دولية عبر دور نشط للأمم المتحدة وللاتحاد الأوروبي بالتعاون مع المسؤولين الأميركيين للتوصل إلى حل وسط بين الفرقاء العراقيين، وذلك على الرغم من أنه من الواضح أن تورط الاتحاد الأوروبي لن يلقى حماساً في الشارع الأوروبي، كما أن الشارع العراقي لا يمكنه نسيان أن الأمم المتحدة كانت أداة فرض الحصار عليه عقداً كاملاً من الزمان.
رابعاً: الاستراتيجية البديلة الثالثة التي تجرى دراستها في واشنطن للخروج من الورطة الراهنة في العراق تمر بسيناريو الدبلوماسية الإقليمية.
وهذا السيناريو هو صميم المشروع الذي يطرحه جيمس دوبنز مدير مركز الأمن الدولي والسياسة الدفاعية في مؤسسة راند، ويقوم هذا المشروع على استكمال الولايات المتحدة لأوراقها في العراق التي تتصدرها قوتها العسكرية ودعمها الاقتصادي للحكومة الائتلافية بمدها جسور التعاون إلى جيران العراق للحيلولة دون وقوع حرب أهلية متسعة النطاق في العراق، وذلك عبر حملة نشطة من الدبلوماسية الإقليمية. ومن الواضح أن هذه الحملة لن تنطلق ما لم تتراجع واشنطن عن كل طروحاتها المتعلقة بنموذج للديمقراطية في العراق، لأن هذه الطروحات ينظر إليها إقليمياً باعتبارها محاولات لزعزعة الاستقرار الإقليمي.
ومن الطبيعي أن من يتبنون رؤية قائمة على الشك في نوايا واشنطن لن يمدوا لها يد التعاون لإخراجها من ورطتها العراقية، كما أن التوفيق بين جيران العراق لا يقل صعوبة عن التوفيق بين الفرقاء العراقيين للتعارض المطلق بين أهدافهم.
ما يدور في واشنطن جدير بدراسته وتأمله، ومن المؤكد أن هذه الدراسة وذلك التأمل سيصبّان في جهود لتحقيق تكامل استراتيجية التحرك العربية في العراق، التي أصبحت اليوم حتمية أكثر من أي وقت مضى.
رئيس قسم الترجمة ـ «البيان»
kamel@albayan.ae