يبدو للوهلة الأولى أن «قيمة المساواة» ضاربة بجذورها في الحياة العربية المعاصرة على مستوى الخطاب أو الفكر، إذ أن الأنظمة العربية التي أخذت على عاتقها عبء النهوض بالعرب في حقبة ما بعد الاستعمار كان أغلبها ينحو منحى اشتراكيا، وهو المذهب السياسي الذي تعلو فيه المساواة على ما عداها من قيم، إلى جانب أن الثقافة العربية تتكئ على قاعدة إسلامية تستند إلى حديث نبوي يرسخ المساواة.
حين ينادي بأن الناس سواسية كأسنان المشط، وأن معيار المفاضلة الوحيد بين البشر هو التقوى، وليس لون البشرة أو العرق أو الجاه أو الثروة، أو غيرها.
ولأن غالبية العرب يدينون بالإسلام، الذي هو، في الوقت ذاته، رافد ثقافي مهم للعرب من غير المسلمين، فإنه من المفترض، على المستوى النظري، أن يكون هناك اعتقاد جازم في وجوب المساواة، قولا وفعلا.
وقد بذلت الأنظمة الحاكمة التي قادت حركات الاستقلال عن الاستعمار جهودا على طريق تقليص الفجوة الطبقية الكبيرة، التي كانت سائدة أيام الاستعمار، وانتصرت، ما أمكنها، للجماهير الغفيرة التي عانت طويلا من الظلم تحت راية أنظمة سياسية سيطرت عليها نخب ضيقة تعاونت مع الاستعمار أو استفادت من وجوده، فجمعت الثروات الطائلة، وتحصلت على المكانة الاجتماعية الرفيعة، على حساب المصلحة العامة.
ولهذا سلكت قيمة المساواة سبيلا إلى التواجد النسبي بين نصوص القوانين والدساتير، وتعبد أمامها طريقا لم يتذلل لغيرها من قيم، حيث غابت قيمة الحرية وراء غيوم شعارات مثل «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» أو «الخبز أولا»، ولم تجد العدالة في شقها القانوني ما تستحقه من التفات في ظل سطوة حزمة من القوانين الاستثنائية، التي كانت، في شق منها، نتاجا للشعارات نفسها.
وحتى بعد أن توارت المسحة الاشتراكية لأنظمة مرحلة الاستقلال، لم تتخل الدولة في عديد من الأقطار العربية عن دورها في الأخذ بيد الفقراء، ولو على مستوى الخطاب، فاستمرت في تبني برامج الدعم الاجتماعي، لسنوات عدة، قبل أن تنجرف أمام موجة عارمة لما تسمى برامج الإصلاح الاقتصادي أو سياسات التثبيت والتكيف الهيكلي، فقلصت الدولة هذا الدعم، وخفضت من الإنفاق الموجه إلى بعض الخدمات الاجتماعية.
خاصة الصحة والتعليم، وفرضت المزيد من الضرائب، ورفعت يدها عن التوظيف .. الخ. وبذلك غدت قيمة المساواة مغيبة على المستوى العملي، مع استمرار الدولة في بث خطاب شفهي مكرر يدعي الانحياز للطبقات الفقيرة أو محدودي الدخل.
وإذا كان هذا هو حال التساوي في جانبه المتعلق بالناحية المادية، فإن التساوي لم يجد تقدما على مساراته الأخرى، فمثلا لم تحرز المرأة ما تأمله من مكانة اجتماعية أو تحصل على ما تستحقه من تقدير أو تنل نصيبا من العمل العام يتناسب مع دورها الحياتي، أو حتى ترفع جزءا من القهر الذي يمارس عليها، وبات خطاب الحركة النسائية العربية بشتى أطيافها مثقلا بعبء الإمساك بمنفذ عريض يخترق طيات «ثقافة ذكورية» تهمش المرأة، أو البحث عن سبيل لتغيير حزمة من القوانين والممارسات التي تهضم جزءا من حقوق النساء.
ولم يسلم العرب جميعا، حكاما ومحكومين، مثقفين وعوام، من الشعور بعدم المساواة في تعامل «الآخر الغربي» معهم، ورشح هذا الإحساس على الخطاب السياسي في طرحه لمسألة الشمال والجنوب، وعلى الرؤية الحضارية في الخوف من ضياع الثقافة الوطنية لحساب التغريب، وبرز الحديث عن «المؤامرة» التي يمارسها «الآخر» ضد العرب، أو النظرة الدونية للعربي في عيون الغربي، وخلافه.
ومن أسف فإن الفشل العملي في تحقيق العرب للمساواة، قد سبقه إخفاق في فهمهما على المستوى النظري، حيث لم تتعامل أغلب الأدبيات التي تناولت مفهوم المساواة، على أنها تمثل الضلع الثالث في مثلث القيم العظيمة، لأنها تشكل مع الحرية والعدالة، المثل العليا التي يصبو البشر إلى تحقيقها منذ أول الخليقة، وهي قيمة مهمة في حياة النظام الديمقراطي، فحال انحدار مبدأ المساواة بشكل طبيعي من إيمان بالكرامة الإنسانية، وحين يكون حصيلة للاحترام المطلق للاستحقاق الإنساني، يصبح أمرا كافيا لإيجاد الديمقراطية.
وتعني المساواة بمفهومها العام وجود حالة من التماثل بين أفراد المجتمع أمام القانون، بغض النظر عن الميلاد أو الطبقة الاجتماعية أو العقيدة الدينية أو الثروة أو الجنس أو المهنة. وقد بين ابن منظور في «لسان العرب» في معرض حديثه عن الاشتقاق اللغوي للمساواة أن «التساوي هو التماثل .. والمتساويان هما اللذان لا ينبو أحدهما عن الآخر .. والسوية هي العدل والنصفة.
لكن هناك اختلافا بين المفكرين عامة حول «المساواة المادية»، فالبعض يرى أن تحقيق المساواة بشكل مطلق، أو طريقة رياضية بحتة، يضر بقيم الحرية والعدالة والإنجاز، ويتعارض مع مبدأ التدرج، الذي يبدو أنه يشكل قانونا طبيعيا لحياة البشر، إذ ليس من العدل أن يتساوى الناس في العائد أو المكافأة المادية، رغم تفاوت جهودهم وعطائهم الناجم عن اختلاف قدراتهم واستعداداتهم الطبيعية، كالصحة والذكاء والاتزان العاطفي.
إلا أن ما يجب ألا ننساه في هذا المقام أن عدم تساوي البشر في الخصائص الطبيعية، قد يكون مجرد نتيجة لعدم توافر المساواة الاجتماعية، فالصحة المعتلة مثلا تنشأ عن سوء التغذية، ويكون الذكاء المتدني مجرد انعكاس لأمية أسرة فقيرة. ولهذا نادت الماركسية بمبدأ «من كل على قدر طاقته ولكل على حسب حاجته»، لكنها فشلت عمليا بشكل مروع في تطبيق هذا الأمر، ما يفتح الباب مجددا أمام إعادة النظر في المفهوم العملي لقيمة المساواة.
وهنا يمكن التأكيد على أن المساواة تعني التساوي في مختلف الأوضاع بما يمكن الناس من ممارسة حياتهم على أساس من تكافؤ الفرص، وليس على أساس التساوي الحسابي البحت. ولذا يجب أن يكون التساوي في الحقوق والواجبات الإنسانية أمام القانون الذي يضبط حركة المجتمع، ويقوم على التوازن أو التراضي بين كافة أعضاء الجماعة، ويخلص لتحقيق مصلحتهم دون تمييز.
أما النواحي المادية فيجب أن تقوم على مبدأ تكافؤ الفرص، ومنع الاستغلال، ثم يتم ترك الناس ليحصلوا على عائد مادي يتناسب مع حجم إنجازهم، أو مقدار الجهد الذي يبذلونه، وبذلك لا تضار الحرية، ولا العدالة. لكن هذا لا يمنع حال حدوث تفاوت حاد، يتعدى مسألة التدرج الطبيعي جراء وقوع ظلم اجتماعي أو فساد سياسي واقتصادي، من التدخل لإعادة الأمور إلى نصابها، حيث إن احتكار الثروات القومية يؤدي إلى الانتقاص من حقوق الجموع الغفيرة، ونكون في هذه الحالة أمام غياب للعدل الاجتماعي، الأمر الذي يضر ضررا بالغا بالمصلحة العامة.
مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة