يبدو العراق وكأنه يدفع نفسه وبسرعة جنونية، نحو الهاوية. موسم المجازر فيه أخذ انعطافة حادة، نحو الأسوأ والأخطر. ليس فقط بالكم، بل بالكيفية والنمط أيضاً. كانت التصفيات المذهبية تحصل على غفلة، صارت تحصل علانية وفي وضح النهار.
كانت تجري بالجملة ـ ولا تزال ـ، صارت تجري على الهوية وبالإعدام الفوري. ثم وهنا المرعب فيها، كانت فصولها تقع عموماً على الحواجز الطيارة، لكن أمس الأول أخذت صيغة الغزوات.
مجموعات موت تغزو أحياء من المذهب الآخر وتقوم بإعدام الناس ميدانياً، فقط لأنهم من «الجهة الثانية»، وبصرف النظر عن الجنس والسن.
تطور جهنمي، لو تفاقم، يكون بمثابة الضربة القاضية القاتلة، فهو من النوع الذي يستعصي على التطويق. خاصة في وضع محكوم بخلفية تاريخية وبمراكمات دموية، على مدى السنوات الثلاث في زمن الاحتلال، تجعل منه أرضية خصبة وقابلة لاندلاع نار مثل هذا الانتحار، التي إذا انفلت لهيبها تصبح خراطيم الإطفائية عاجزة عن إخمادها، مهما كان زخم المياه المندفعة منها.
ويزيد من الخوف والخطر الداهم أن هذا التحول في وتيرة التناحر المحلي، يأتي في امتداد ما سمي بـ «فتنة أو حرب المساجد». في الأيام الأخيرة حصلت موجة من التفجير والتدمير لأماكن العبادة، المتبادلة. حتى المحرمات كسرت حرب التطهير المذهبي، حصانتها. باتت هدفاً وضحية كغيرها.
ولا شك أن مثل هذا الانفلات اللامعقول صب الزيت على النار، وأعطى المزيد من الذخيرة لهذا التوجه المدمر. لاسيما وان كل ذلك يحصل على خلفية حافلة بالنزف والخصومات الطائفية. ففي آخر إحصاء ان العراق تكبد في الأشهر الستة الأولى من هذا العام، حوالي 36.5 ألف قتيل من بين المدنيين. هذا عدا المفقودين والذين بقوا في عداد غير المعروفين. كما شهد عمليات تهجير، حيث يعيش عشرات آلاف العراقيين في مخيمات لاجئين، في بلادهم!
الواضح أن العملية السياسية في العراق متعثرة. بل مهددة. وبدلاً من أن تكون المدخل لمعالجة التردي الأمني وحروب المذاهب، حصل العكس. التدهور المريع في الصراعات المذهبية وضع العصي في دواليب المؤسسات وبالتحديد المجلس الوطني والحكومة المالكية. بعض أطراف التحالف الحكومي تقاطع المجلس.
وتلوح بالانسحاب من الحكومة. وحرب التراشق السياسي بالاتهامات مندلعة بين الفرقاء المفترض أن يحصل تعويم العراق على أيديهم. وهنا لابد من سؤال مشروع: هل باتت الأمور أقوى من أن تتحكم بها القيادات العراقية، أم ان هذه القيادات ـ أو بعضها ـ لا يزال يحكم علاقاتها التباعد وشبه انعدام الثقة؟
الإعدام على الهوية واندلاع الغزوات المذهبية في العراق يؤديان إلى الهاوية ويدقان ناقوس الخطر الماحق. بل قد تكون آخر صرخة قبل خراب الهيكل كله، وليس البصرة فقط. فمثل هذا الخليط، الذي أفرزه وضع عبثي أسس له الاحتلال، يمثل وصفة مثالية للتفكيك، المحكوم بالوصول إلى هاوية الانفراط.
وإذا كان هناك من احتمال لبلوغ حالة من المعالجة التي كثر وتردد الحديث عنها، فلا بديل ولابد من أن تسبقها عملية مصارحة بين الأطراف العراقية، قبل أن تنقضي رياح الاقتتال الأهلي بكل جبروتها على الساحة، وقبل أن يسبق السيف العذل.