حتى يصل العراق إلى تآلف ومصالحات وطنية تنتهي فيها الخصومات والثارات، فلابد أن يكون هناك إجماع عام بين الفصائل والمليشيات، لأن الحلول التي تنطلق من سيادة فئة أو حزب، أو مذهب أوجماعات، لن تنهي حروب الشوارع والجوامع القائمة.
في طهران تجتمع دول الجوار، ومعها ممثلون لدول ومنظمات تستهدف إخراج العراق من محنته الطويلة، لكن قبل الفصل في الآراء، والاتفاق على بنود محددة، لابد من قبولها من كل العراقيين، لأنهم الأساس في القضية المطروحة، والقادرون على إنجاحها.
أما إذا كان كل فصيل عراقي يأتي ليمثل شريحة ما ينتمي لها، ونسيان خارطة الوطن أو السعي لتقطيعها، فإن الهدف سينتهي بالفشل، لأن المجتمعين سيجتهدون بقدر ما يملكون من مواقف ودعم معنوي وسياسي، بمعنى أنهم وسطاء لا يملكون فرض قرارات، وإنما دعم المصالحات وجعل الرؤية في المواقف أكثر صراحة، وعلى ممثلي دولة العراق وشرائحه، وفصائله أن يسعوا لإنجاح هذا العمل حتى تتوفر له سبل الانطلاق نحو اتفاق تحترمه كل الأطراف، ويبعد عن الساحة العراقية التدخلات الإقليمية، ويطرح مشروع رحيل القوات الدولية.
قطعاً لا توجد أوهام بأن الحلول مستحيلة، لكن لا توجد آراء تتفق على أنها سهلة، إذ أن الخارطة الاجتماعية العراقية، تعرضت للعديد من التبدلات، ومعها أصبح لكل إنسان انتماء معين للبحث عن حام أو منقذ، وهي صيغ مؤقتة لا تستطيع أن تصمد أمام أهداف مماثلة لها نفس التطلعات، غير ان المنطق يرى بأن الجميع على قدر من المسؤولية الأدبية والأخلاقية، وجميعهم أيضاً كاسبون في الوصول إلى اتفاق يحترمونه، أو خاسرون إذا ما تعذر الحل المتوافق مع مصالح الجميع.
نعم ما يجري في العراق هو نتاج تاريخ لأكثر من ثلاثة عقود ولّد أجيالاً عاشت الحروب وجرائم الدكتاتورية، ثم الاحتلال، والتي تسببت في فراغ للسلطة والوحدة الاجتماعية، ونقص هائل في ثقافة الأفراد والجماعات، ثم الاتجاه إلى توزيع الانتماءات باعتبارها خرائط الطرق الآمنة، بينما الحقيقة تنفي ذلك، وهنا لابد من جهود تجعل المجتمعين من كل الأطراف يحملون البدايات الأولى للنجاح، لأن التغلب على إرادات ومصالح ورؤى منقسمة، وداخلها انقسامات فئوية وحزبية قد تعطل أي مشروع يعطي الأمل لبدايات ناجحة، متوقف على العراقيين قبل غيرهم..
فالعرب يبقون أشقاء مصير، والدول الإسلامية تشارك العراقيين نفس الآلام والآمال، وحتى تُرفع كل الأيدي عن العراق، فلابد من خلق أجواء تسهل على الجميع الوصول إلى نتائج إيجابية، وإلا فإن كل الحلول ستبقى مجرد سطور على ورق من السهل شطبها أو تفعيلها كبدايات لعمل كبير.