تساءلنا في مقال أمس: هل نسلم العاطلين عن العمل منذ سنوات لليأس بعد تشبع سوق العمل بتخصصاتهم؟ من المسؤول عن تكدس طلبات التعيين في بعض التخصصات؟
وكيف ننأى بخريجي الثانوية عن المصير نفسه بعد سنوات مقبلة؟
وقد طرحنا تلك التساؤلات بعد أن وجدنا عاطلين عن العمل بسبب تشبع سوق العمل بتخصصاتهم لاسيما خريجي الفلسفة وعلم النفس والخدمة الاجتماعية وغير ذلك من التخصصات.
لا ننكر حق هؤلاء الخريجين المشروع في الحصول على وظائف بعد سنوات الانتظار، ولا يعني ذلك مطالبتنا بتعيينهم لنوجد «بطالة مقنعة» تضاف إلى بطالة نعاني منها، لكن ذلك يجعلنا نطالب أولاً بإيجاد فرص عمل مناسبة لهم في غير وزارة التربية، إن كانت ليست بحاجة لعدد كبير منهم من خلال التنسيق والتعاون مع مؤسسات أخرى لا بد وأن تتحمل مسؤوليتها في هذه القضية، ودون أن تضع الحمل كله على وزارة التربية والتعليم.
كما نطالب ثانياً بإغلاق التخصصات الجامعية التي تشبع السوق المحلي منها حتى لا يتسع الخرق على الراقع ونفاجأ في السنوات المقبلة بعاطلين مماثلين لا يمكن العثور لهم على فرصة عمل للسبب نفسه.
شغلت بطالة المواطنين الجميع وما زالت تشغلهم على الرغم من إعلان الدولة عن مبادرات لحل هذه المشكلة، إلا إن هناك مشكلة رئيسة ينبغي الاهتمام بحلها وهي مشكلة استمرار انضمام الطلبة لتخصصات جامعية تشبع سوق العمل بها، وهي مشكلة لا بد وأن تكون على رأس أولويات وزارة التعليم العالي ووزارة التربية والتعليم وجميع المؤسسات والبرامج المعنية بالتوطين.
فهؤلاء العاطلون أهملت مشكلاتهم، وتحملوا وحدهم مسؤولية عدم توجيههم حول التخصصات التي يتطلبها سوق العمل. وهي قضية تعكس غياب السياسة التعليمية الواضحة في الدولة التي تحدد احتياجاتها من التعليم، وتعكس جهل العديد من الطلاب باحتياجات سوق العمل نتيجة غياب الجهات الاستشارية التي ترشدهم إلى التخصصات المطلوبة.
التعليم في أية دولة يعد أداة لتحقيق سياستها وأهدافها. الأمر الذي يتطلب سياسة تعليمية واضحة الأهداف والمعالم تحدد احتياجاتها وتوجه خريجي الثانوية العامة نحو تخصصات جديدة يحتاجها سوق العمل ويفرضها، وتغلق تخصصات تشبعنا منها.
إذا كنا بعد كل السنوات التي مضت ما زلنا نعاني من عدم وجود استراتيجية لنوعية التعليم الذي نريد أن نوظف مخرجاته، فكيف لنا أن نضمن إيجاد فرص عمل للأجيال القادمة، وكيف نضمن توطين وظائف مازلنا نعتمد فيها على خبرات مستوردة بسبب قلة الخريجين المواطنين؟
القضية أكبر من قضية آلاف تخرجوا ولم يجدوا فرص عمل، القضية تعني باختصار أننا قد نفاجأ مستقبلاً إن ظل الحال على ما هو عليه بخريجين عاطلين ومحبطين لأنهم درسوا تخصصات لم نعد بحاجة إليها.
والحل الوحيد لهذه المشكلة من وجهة نظرنا تكمن في تحديد احتياجاتنا من التعليم وفق سياسات واضحة المعالم تسعى لسد الثغرات الموجودة بين مؤسسات التعليم وقطاعات العمل، وتقلل من بطالة أوجدناها بأيدينا بسبب غياب رسالتنا إلى خريجي الثانوية والتي كان من الممكن أن تنأى بهم عن بطالة أجبروا عليها.