ليس من قبيل المبالغة القول إنه لا تكاد تخلو صحيفة محلية أو عالمية في أي بلدٍ من تخصيص مقاله أو عمود صحافي أو خبر عريض يحمل في طياته مستجدات وآخر تطورات الملف النووي الإيراني. فهذا الملف يشوبه الكثير من الغموض والتشابك والتعقيد فهو متصل بعدة أطراف منها الإقليمية والدولية.
والدليل على ذلك قيام الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بإعلان جمهورية إيران الإسلامية كدولة ذات قوة إقليمية تستطيع أن تلعب دوراً مؤثراً جديداً على خشبة المسرح الدولي.
فقد تضمن هذا الخطاب السياسي الموجه لدول العالم وبالأخص القطب الأوحد المتمثل في الولايات المتحدة الأميركية أن إيران قد اقتربت من امتلاك التكنولوجيا النووية واستطاعت تحقيق النجاح في مرحله من مراحل السعي نحو امتلاك الطاقة النووية سواء أكانت سلمية أو عسكرية.
إن المنطق الذي تتبناه إيران في سياساتها النووية هو منطق قائم على فرضية أن امتلاكها السلاح النووي يعطيها قوة هائلة ومكانة إقليمية بارزة ويمكنها من تأدية دورٍ أكثر فاعلية فيما يتعلق بالمعادلة الأمنية الخليجية.
فماذا أعدت واشنطن للوقوف في وجه التطور النووي القادم من طهران؟ وهل تخلت أميركا فعلاً عن نيتها في استخدام القوة العسكرية في التعامل بما يخص الملف النووي الإيراني؟ الذي يطفو على السطح في هذه المرحلة يبين لنا بصورة أو بأخرى أن الولايات المتحدة استخدمت اللهجة الحادة الممزوجة بالعنف كي تحاول ردع إيران عما تطمح إليه نحو الحلم الإيراني النووي والذي بات يشكل للولايات المتحدة الأميركية كابوساً يهدد مصالحها ومصالح حلفائها من الدول في منطقة الشرق الأوسط.
قامت أميركا في ظل الظروف الحالية الحرجة التي تمر بها في المنطقة (معضلة العراق وأفغانستان والحرب على الإرهاب من جهةٍ أخرى) بتغيير سياستها الموجهة نحو إيران وذلك بالابتعاد عن الخطاب شديد اللهجة الحامل للتهديدات والعقوبات والضربات العسكرية الاستباقية والتوجه نحو طاولة المفاوضات واستخدام سياسة الدبلوماسية مع إيران.
وبذلك تكون أميركا قد استخدمت نفس منهج المجموعة الأوروبية المتمثل بإعطاء إيران الحوافز السياسية والاقتصادية مقابل تخلي طهران عن مرادها في السعي قدماً في طريق التكنولوجيا النووية التي يتوقع كثيرٌ من المحللين والمراقبين للشأن الإيراني أن تستطيع تطويرها إلى درجة تمكنها من اقتناء سلاح نووي.
ومن جهتها أبدت الولايات المتحدة الأميركية استياءها في هذا الصدد من تصريح للرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد قال فيه انه (يجب شطب) إسرائيل من خريطة العالم، كما أيدت الدول الأوروبية أميركا وعارضت هذا الرأي الذي اعتبرته تهجماً على إسرائيل مبديةً تعاطفها الكامل مع إسرائيل. ومع هذا الخوف الهستيري الذي سكن روح الولايات المتحدة و دول المجموعة الأوروبية التي تبعد جغرافياً مسافات كبيرة عن إيران.
فإن الدول الخليجية المجاورة جغرافياً لإيران تعيش في حالة من القلق إزاء محاولات طهران امتلاك التكنولوجيا النووية. فليس هناك موقف محدد واضح نحو مسألة الملف النووي الإيراني، ومواقف كثير من الدول الخليجية يشوبها الضباب وعدم وضوح الرؤية بشكلٍ كبير تجاه سعي إيران للقوة النووية.
وفي مقال للدكتور محمد بن هويدن بعنوان: (الغموض الخليجي البناء) يطرح من خلاله قضية غموض كثير من المواقف الخليجية تجاه الملف النووي الإيراني، مؤكداً أن هذا الغموض في مضمونه بناء أكثر بكثير من وجود موقف محدد قد يؤدي بصورةٍ أو بأخرى إلى تأزم المواقف وتصعيد سياسي أو عسكري لا تستطيع منطقة الخليج العربي تحمله في مثل هذه الظروف.
فالدول الخليجية لا تريد أن تغضب جارتها وشقيقتها الكبرى إيران ومن جهةٍ أخرى لا تريد أن تخسر علاقاتها السياسية والاقتصادية والأمنية مع الولايات المتحدة، وعليه ارتأت الدول الخليجية أن تصبغ مواقفها الخارجية بالغموض تجاه الملف النووي الإيراني.
ليست الآراء مختلفة حول جدلية الملف النووي الإيراني على مستوى الدول فحسب بل هي كذلك متباينة على مستوى الشارع الخليجي والمحللين السياسيين وأساتذة الجامعات. فهناك فريقان يختلف كلٌ منهما عن الآخر حول الموقف من الملف النووي الإيراني.
الفريق الأول يعرب عن قلقه تجاه الملف هذا ويعتبر أن حصول إيران على الطاقة النووية سيقودها إلى الحصول على السلاح النووي في مراحل متقدمة وبالتالي فإنه يشكل خطراً على الدول الخليجية على المستوى السياسي والأمني والبيئي كذلك بحكم الجوار الجغرافي بين الدول الخليجية والجمهورية الإيرانية، كما يرى أن إيران ربما تستخدم قوتها النووية كسلاح ابتزاز تمارسه على دول المنطقة.
أما الفريق الثاني فيؤكد على حق إيران في امتلاك التقنية النووية واستخدامها كسلاح ردع يوجه نحو إسرائيل، وذلك أملاً في إعادة نهوض الأمة العربية الإسلامية مرةً أخرى من خلال تحقيق التوازن السياسي للقوى الإقليمية بين إيران وإسرائيل على مستوى التسلح النووي.
تحاول دول مجلس التعاون الخليجي جاهدةً إبعاد شبح الحرب عن منطقة الخليج التي لم تتماثل للشفاء بعد من جراحها السابقة، ولم يلتئم جرحها الأخير جراء الغزو الأميركي للعراق. واتقاء لوقوع أخطار مستقبلية لا بد من أن تشوب الأفكار العقلانية ممارسات كلٍ من الأطراف المتضادة في أزمة الملف النووي الإيراني، وذلك لأن أي تصعيد عسكري من شأنه زيادة التأزم ونوبات التشنج في مسألة الحوار والمسار الدبلوماسي للأزمة والذي سيكون المتضرر فيه بلا شك الدول الخليجية.
حاولت الولايات المتحدة الأميركية في مرحلة سابقة أن تفرض عقوبات اقتصادية على الجمهورية الإيرانية بالإضافة إلى تهديدها بضرب بعض المنشآت الإيرانية سواء أكان بقواتها العسكرية المتواجدة في دول خليجية أم بالتعاون مع القوات الإسرائيلية، إلا أن إيران لم تعر أميركا أي اهتمام حول فرض العقوبات عليها، بل على عكس المتوقع بادرت إيران بتوضيح حجم الخطر الذي سينجم عن أي محاولة عدوانية تجاهها.
فإيران بحكم موقعها الجغرافي الاستراتيجي لها القدرة على تعطيل حركة الملاحة الدولية الذي قد يؤدي بالتالي إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية لوقف تصدير النفط من الخليج عبر الناقلات الأمر الذي قد يؤدي إلى انهيار البورصات العالمية، وليس من المستغرب حدوث أزمة اقتصادية عالمية جديدة في ظل الخيارات العسكرية المحتملة للتعامل مع إيران وملفها النووي.
وأكدت إيران العواقب الوخيمة التي ستجرها الحلول الأميركية العسكرية المقترحة، لهذا نرى أن دول الاتحاد الأوروبي تفضل اختيار مسار الحل الدبلوماسي على العسكري وذلك لتوخي الضرر الذي يمكن أن يلحق ببنية الاقتصاد الأوروبي وبمصالحه الحيوية.
كذلك يمكن لعواقب الحلول العسكرية أن تطال كلاً من الصين وروسيا، حيث إنه من المعروف أن الصين تستورد كميات كبيرة من النفط الإيراني إضافةً إلى أن إيران تربطها علاقات اقتصادية قوية مع روسيا، فلذلك نجد روسيا والصين تعارضان أي عقوبات تفرض على إيران وترفض تقديم الحل العسكري على الطرق والأبواب الدبلوماسية التي لم تغلق بعد مع إيران.
إضافةً إلى ذلك نجد أن روسيا والصين تحاولان انتهاج سياسيات مغايرة للسياسيات الأميركية وذلك من أجل التخفيف من هيمنة القطب الأحادي في النظام العالمي، ويتضح هذا جلياً من خلال محاولات روسيا والصين دمج إيران مع كلٍ من الدولتين في مرحلة جديدة من العلاقات الدولية بينهما.
وقد ترجمت هذه المحاولات في دعوة الجمهورية الإيرانية الإسلامية إلى قمة شنغهاي باعتبارها عضواً مراقباً الأمر الذي أدى إلى استياء الولايات المتحدة.
ولا أحد يعرف ما سيؤول إليه ملف إيران النووي في الوقت الحاضر غير أن المستقبل كفيل بأن ينزع الستار عنه، وإننا نرجو أن تبقى منطقة الخليج آمنة تنعم بالخير والاستقرار.
جامعة الإمارات قسم العلوم السياسية
ali_alahbabi@hotmail.com
