رئيس الحكومة الفلسطينية، طرح مبادرة للتهدئة. على الفور، رفضها رئيس الحكومة الإسرائيلية. ردّ هذا الأخير لم يكن خارج التوقع. فهو أعلن وكرر بأنه لا يقبل إلا باسترجاع أسيره من دون قيد أو شرط، وطبعاً من دون ثمن.
الدعوة الفلسطينية كانت في محلها. كشفت من هو الجانب الساعي إلى مخرج سلمي «مناسب»، لقضية الأسير، ومن هو المتشبث بالحل العسكري، وبذلك حققت الحكومة الفلسطينية ورئيسها، خبطة دبلوماسية.
أو على الأقل إعلامية، لكن للأسباب العديدة المعروفة لم يترجم هذا الكسب إلى حالة ضاغطة تضع حداً للفجور العدواني الإسرائيلي المنفلت على الفلسطينيين، منذ أيام والمفتوح على تصعيد مرير.
ففي غياب هكذا حالة لا يجد أولمرت ما يحمله على التراجع والتخلي عن الخيار العسكري.
المفتاح بيد واشنطن، وهذه لا تتحرك في هذا الاتجاه مجاناً وطواعية. لابد من داعٍ يجعلها غير قادرة على الاستمرار في موقفها المتغاضي. بل المشجع ضمناً لإسرائيل، ومثل هذا الدّاعي لا يتحقق إلا بحراك دولي فاعل، يلعب فيه الموقف العربي الدافع، دور الرافعة. لكن هذا الدور مفقود.
أحد الأسباب الرئيسية لغياب دور عربي حاشد وفاعل، في هذه اللحظات العصيبة، يتمثل في غياب وحدة وطنية فلسطينية متماسكة، متمثلة بحكومة وبأجندة واحدة وبخطاب واحد.
هنا مربط الفرس ونقطة البداية. وجود مثل هذه الوحدة المترجمة سلطة وموقفاً، يشكل حالة ضاغطة على الوضع العربي ويحمله، بالرغم من أعطابه، على توظيف أوراقه وثقله لقطع حبل الصمت الدولي المريب، وبالذات لحمل واشنطن على إعادة النظر في موقفها المشجع ضمناً، والقائم على المقولة ـ الذريعة بأن إسرائيل «تدافع عن نفسها»! وفي هذا الصدد فان عدم الإسراع الفلسطيني إلى ترجمة التوافق الذي حصل حول الوثيقة، أمر محيّر. حتى الآن لم تتخذ خطوات ملموسة لوضع التوافق موضع التنفيذ.
الهجوم العدواني الإسرائيلي يزداد شراسة. يستهدف الجميع. يهدد المصير، ومع ذلك بقيت الوثيقة على الرفّ. في حين أن اللحظة الراهنة، إذا كان فيها شيء يمكن تجييره بصورة إيجابية، فهو إنها توفر البيئة الملائمة لتجاوز التباينات الكبيرة وتحييدها لمصلحة نسج تحالف وطني عريض ينهض على برنامج عمل للخلاص من الاحتلال والتصدي لمشاريعه العدوانية التصفوية.
لقد أثبتت التجربة المريرة والطويلة أن غياب مثل هذه الصيغة كان له أضرار بالغة. أتاح لإسرائيل اللعب على التناقضات الداخلية، والتلطي خلف زعم أنه لا يوجد شريك فلسطيني لها في عملية السلام. كما إن تصدع الجبهة الداخلية الفلسطينية ونزاعاتها، ناهيك بصراعاتها الدموية، التي كادت أن تصل إلى حافة الحرب الأهلية قبل أسابيع، قد تسبب بإيجاد الغطاء لانفضاض جهات ودول عربية وأجنبية وعزوفها عن الالتفاف الفعّال والمؤازر للشعب الفلسطيني وسلطته وحكومته.
إن وقت الانتقال إلى مرحلة تجسيد الوحدة الفلسطينية، على قاعدة المصلحة الوطنية العليا، قد حان. تأخير هذه النقلة النوعية لاينتج سوى زيادة الخسائر وترك المبادرة بيد إسرائيل. وإذا كان مواجهة هذه الأخيرة عسكرياً وكسر شوكتها غير ميسور حالياً فعلى الأقل توفير عوامل مواجهتها في ساحات أخرى لتقليل الخسائر وإحباط عدوانيتها.