لقد أدت الطبيعة التصارعية للعلاقة التاريخية بين العرب والغرب والتي زاد من حدتها تفوق الغرب الى جعل مفهوم هذه العلاقة بالنسبة للعرب يرتبط دائما بمفهوم القوة العسكرية ولذا فقد انصبت محاولاتهم في توطين العلم على نقل تكنولوجيا الصنائع ذات العلاقة بالقوة العسكرية ولم يكن الغرب غافلا عن ذلك.

فكلما ظهرت بعض النتائج لهذه المحاولات يتدخل بشكل مباشر او غير مباشر لإجهاضها قبل ان تصل الى سن النضج فقد أدرك حالة العرب النفسية الموروثة منذ أول صدمة مع الحداثة التي جعلت مفهوم القوة يتمحور أساسا حول القوة العسكرية ولذا فقد ركز باستمرار على تحطيم ما يرمز إليه هذا المفهوم لديهم .

فيكفي ان يهيئ الظروف التي تتيح له فرصة تدمير الآلة العسكرية لأية قوة عربية صاعدة لكي يدخل العرب في دوامة اليأس التي تحجب عنهم ما قد يكون لديهم من عوامل القوة الأخرى فينتهون بالاستسلام وقبول ما يمليه عليهم فقد أدى تحطيم الآلة العسكرية لمحمد علي الى انهيار تجربته والتخلي عن كل ما واكبها من طموحات والاكتفاء بحق سلالته في توارث عرش مصر .

كذلك أدت هزيمة الخامس من يونيو في نهاية المطاف الى معاهدة كامب ديفيد والتخلي عن كل الأحلام والالتزامات العربية ولم يكن تدمير القوة العسكرية العراقية في حرب الخليج الثانية - كيف ما كانت الأسباب- بأقل تأثيرا من حيث قلب المفاهيم وتحليل المحرمات السياسية وسقوط ما كان يعرف بالثوابت.

ان هذا الانبهار العربي بالصنائع المتعلقة بالسلاح في عصر الإصلاحيين او من أتوا بعدهم ليس الا ردة فعل على الصدمة التي تلقاها الشعور القومي والديني على الاحتلال والإذلال الذي تعرضوا له من قبل الآخر الخصم القوي حيث تحت سيطرة هذا العامل النفسي ساد الاعتقاد بأن تفوق الغرب يمكن اختزاله في مفهوم تكنولوجيا السلاح .

ونظرا لأن هذه التكنولوجيا هي ثمرة من ثمرات العلم الذي لم يتوافر للعرب توطينه وتطويره فكان الحل هو استيراد السلاح الذي صار بندا من بنود الميزانيات العربية لتبذير الثروة ولإثراء الدول المصنعة وتجار السلاح كما تحول السلاح الى مجرد كميات كبيرة من أدوات العنف لا يسيطر عليها المجتمع ولا يحدد أغراض استخدامها بل يسيطر عليها فرد واحد يفعل بها ما يشاء وفي حالات كثيرة لم يؤد امتلاك كميات كبيرة من السلاح الى زوال حاجة بعض الحكام العرب الى الحماية الأجنبية.

كان الأخذ بمفهوم العلم مختزلا في ثمار التكنولوجيا الغربية أثرا آخر بالغ السوء على العلاقة بين السلطة والمجتمع فلم تكن التكنولوجيا في مصلحة المجتمع بقدر ما كانت في مصلحة السلطة التي امتلكت ارقى وسائل العنف والسيطرة والرقابة والتحكم فلو نظرنا الى خارطة الأنظمة السياسية العربية لوجدناها في معظمها تمثل حكم طائفة ليست هي الأكثرية في هذا القطر او تمثل حكم عشيرة او تسلط جهة على بقية جهات ذلك القطر او نخبة ليست أفضل النخب في المجتمع كالنخبة العسكرية.

وهكذا فان وضع اليد على ثمار التكنولوجيا الغربية في مضمار وسائل العنف أعطى الفرصة في المجتمع العربي لجماعات ضئيلة العدد لأن تفرض سيادتها على المجتمع ومن ثم تهميشه وضبطه والسيطرة على مصادر قوته فكما نلاحظ منذ السبعينات قد طالت اعمار بعض الأنظمة العربية بعد ان كانت في العقود السابقة عرضة للتغيرات والانقلابات العسكرية فهذا الاستقرار لا يرجع الى اعتمادها على الشرعية السياسية.

ولا لكونها حققت أكثر من سابقاتها مكاسب على الصعيد الداخلي او انتصارات على الصعيد الخارجي بل ذهبت أكثر منها في تنمية التخلف والخضوع وفي تحدي مشاعر مواطنيها واستفزازهم ولذا فلعله من الخطأ ان نرجع بقاءها واستطالة اعمارها لسبب آخر غير سيطرتها على المجتمع وإحكام قبضتها عليه بفضل ما وضعت يدها عليه من وسائل وأدوات وتقنية وأساليب أنتجتها تكنولوجيا الحداثة الغربية في مجال العنف.

لقد ازدهر العلم وتواصلت إبداعاته في المجتمع الغربي لأنه كان ولا يزال جزءا من فضاءات المجتمع الاقتصادية والسياسية الاجتماعية بينما فشلت محاولات توطينه في الواقع العربي لأن تلك المحاولات لم تكن ضمن مشروع اقتصادي سياسي متكامل على اتساع الفضاء العربي وفي ظل مناخ سياسي خال من الاستبداد والتعسف في الداخل ومتحرر من الضغوط والتدخلات الأجنبية.