ليس خافياً على أحد أن المسميات الجغرافية الجديدة التي تطلقها على منطقتنا العربية والإسلامية قوى العولمة الكبرى، مثل «الشرق الأوسط وشمال إفريقيا» تعكس أهداف ومصالح هذه القوى الدولية، الساعية لإزالة الهوية القومية أو الدينية التي تعرقل خططها لبسط هيمنتها على شعوب هذه المنطقة المسلمة في غالبيتها والعربية في ثقافتها وإعادة رسم خرائطها بما يخدم مصالحها.

من هنا يبدو بحث مسألة الهوية بالغ الحيوية لنؤكد لأنفسنا ولغيرنا من نحن؟.. ونسمي أنفسنا بأسمائنا الحقيقية بما يخدم واقعنا ومستقبلنا ولا نقبل أن يسمينا غيرنا بما يخدم أغراضه ومصالحه.وقد يبدو مثيراً للتساؤل القول..

هل يبدو منطقياً أنه بعد كل هذه القرون التاريخية وهذه التجارب الحضارية التي جمعت أبناء هذه الأمة سواء من «الخليج إلى المحيط» عربياً أو من «المحيط إلى المحيط» إسلامياً أن نتساءل من نحن الآن؟!

وقد تبدو علامة الاستفهام تلك المقرونة بعلامة التعجب لها ما يبررها.. لكن ما يبرر المناقشة أكثر أن ما تعارفنا على أنه «ثوابت» أصبح مطروحاً للجدال ويطرح أكثر من سؤال في مواجهة «المتغيرات» وأصبح كل شيء عليه إعادة اكتشاف ذاته من جديد في هذا العصر الجديد.

وهنا يلزم التأكيد على أنه لا تناقض بل تكامل بين الدوائر الثلاث للهوية من حيث أنها تجمع ولا تفرق، وتحشد ولا تشتت إذا لم يتم توظيفها ضد طبيعتها وروحها الحضارية والإنسانية البناءة..

فالهوية الوطنية تجمع كل مواطنيها من مختلف الديانات والأعراق في دائرة قطرية واحدة، تدور داخل دائرة الهوية العربية الأكبر التي تجمع كل أبنائها المنتمين لثقافتها من كل دين، ومن هنا تصبح حلا لمشكلة الأقليات الدينية.. بينما تدور الدائرة العربية داخل الدائرة الإسلامية الكبرى التي تجمع المنتمين لعقيدتها من كل عرق، ومن هنا تصبح حلا لمشكلة الأقليات القومية.

لقد شهد العالم عدة عصور تاريخية توالت لتطبع كل عصر منها بطابع غلاب.

عصر الأديان، والذي توارى بنهاية الحروب الصليبية.. وعصر القوميات، والذي تراجع مع الحرب العالمية الثانية.. وعصر الإيديولوجيات، والذي تغير مع نهاية الحرب الباردة.

واليوم نحن في عصر جديد تتقدم فيه المصالح على حساب القيم والمبادئ وتتقدم فيه التكتلات الكبرى على الكيانات الصغرى وتتحكم فيه القوى المتقدمة على القوى المتخلفة، وتسيطر فيه الدول القوية على الدول الضعيفة، وتزداد فيه الدول الغنية غنى ويزداد الفقراء فقراً.

أطلقوا عليه «عصر العولمة»®. عصر ساعدت فيه ثورة التكنولوجيا ووسائل الاتصال وتدفق المعلومات العابرة للقارات والحدود على تقريب الفوارق الجغرافية والثقافية بين شعوب العالم.. هذا العصر بمعطياته الجديدة فرض معادلات ومفردات جديدة تتعلق بالهوية.. بما بدا تذويباً لثقافات الشعوب بمحاولة فرض ثقافة واحدة وإزاحة لدور الأديان والقوميات والأيديولوجيات في صياغة مفرداتها.

لكنه في المقابل فإن ما وفره العصر الجديد من معلومات ووسائل اتصال وتقدم مادي وتكنولوجي.. أفرز من التناقضات والمظالم الناتجة عن محاولات الهيمنة وزيادة الهوة بين مناطق التقدم والتخلف وبين أحزمة الغنى والفقر والقوة والضعف ما زود الثوابت التقليدية للهوية التاريخية للشعوب بزاد جديد من القوة والاستنفار للتحصن بعقائدها وقومياتها وثقافتها ضد مخاطر العولمة.

بل إن الكثير من المتابعين لحركة المتغيرات التي أفرزتها العولمة لاحظوا نوعاً من صحوة الثقافات الوطنية وصحوة الأديان وصحوة القوميات بل وصحوة المصالح الوطنية في مواجهة فرض النمط الواحد..

بل يرى البعض أن تحديات العولمة تقود العالم على المدى البعيد إلى عالم متعدد الثقافات والقوميات والأديان في إطار «عالمية» جديدة تتجه إلى تعاون دولي لا يلغي الهوية الثقافية وإنما يقوم على تعددها وازدهارها.

والدليل على ذلك هذه المظاهرات العالمية الصاخبة والعنيفة المضادة للعولمة التي تشهدها الدول المضيفة لمؤتمرات «الثمانية الكبار» سواء في سياتل الأميركية أو في لندن البريطانية.

وما موجة التطرف التي تشهدها بعض الأديان والأعراق والثقافات إلا رد فعل لمحاولات التذويب.

من هنا يلزم أن نقرأ أننا في ظل «عصر جديد» يتمرد على «النظام الدولي الجديد» الذي يقوم على هيمنة قوة واحدة ويتجه اتساقا مع حركة التاريخ إلى عالم متعدد القوى، و متعدد الحضارات والثقافات، و متعدد القوميات.

ومن هنا يلزم أن نسلم أن كل المتغيرات الجديدة أعادت اكتشاف الثوابت القديمة بما يفرض إعادة إنتاجها من جديد بصياغة تستند على الثوابت وتستوعب المتغيرات وتتمسك بالهوية في ظل «العالمية» التي تحترمها، وليس «العولمة» التي تحاول إذابتها.

mamdoh77t@hotmail.com