لا شك أن التعليم يعتبر عماد الدولة وأساسها، والمقصود في هذا أن الدولة التي يكون مجتمعها متعلما إنما هي وبلا شك دولة متقدمة في كل شيء، أما العكس فتكون تلك الدولة متخلفة في كل شيء وشعبها جاهل وتكون عرضة للمخاطر التي تؤدي بالنتيجة إلى هلاك شعبها.

ومن هذا المنطلق فإن الدول التي ترأسها حكومات تريد لشعبها النهوض في كل مجالات الحياة نجدها بداية تهتم بمسألة العلم وتزويده لأبنائها كي يضطلعوا بمسؤولياتهم الاجتماعية تجاه وطنهم. إذن الفلسفة الحقيقة في التعليم هي بناء الإنسان وتسليحه بالعلم والمعرفة ليشارك في بناء مجتمعه ودولته ويصد عنها كافة المخاطر، بل تكون مهمة الشعب المتعلم هي بناء حضارة تزهو بها دولته ويضع الأسس القوية والمتينة لمستقبل زاهر تكون نقطة انطلاق وقاعدة أساسية للأجيال القادمة لإكمال المسيرة الفلسفية للتعليم.

ومن نظرة سريعة على تاريخ وحاضر الدول المتقدمة والتي استطاعت بناء حضارات شهد لها التاريخ وأصبحت نواة وأساس لتقدم الدولة الحديثة، وكذلك من حاضر الدول التي في طريقها إلى بناء حضارات يشار إليها بالبنان إنما كان أساسها هو العلم والمعرفة وطرق نقل تلك العلوم والمعرفة إلى شعوبها، ومنها على سبيل المثال حضارات وادي الرافدين، وحضارات النيل، والهند والرومان والحضارة الإسلامية التي وصل فيها العلم إلى ذروته.

إن التاريخ عندما يتحدث عن هذه الحضارات إنما يتحدث عن احد أعمدتها الرئيسية ألا وهو العلماء واهتمام قادة تلك الحضارات بالتعليم وحب شعوب تلك الحضارات لتلقي التعليم والمعرفة وفق طرق علمية صحيحة ثبت نجاحها. وعلى هذا نجد وكما يقال إن العلم يرفع العلم يرفع بيتا لا عماد له.

وقد نسترسل بالحديث عن واقع الأمة العربية والمآسي الكبيرة التي يعيشها شعبها في الوقت الحاضر هذا الشعب هو ذاته صاحب حضارات وادي الرافدين والنيل والحضارة العربية الإسلامية وبعد أن كان في قمة الشعوب من حيث التقدم والرقي نتيجة تسلحه بالعلم أصبح الآن يتخبط بالجهل والفقر والمسكنة...

ولكن لماذا وكيف وصل الشعب العربي والشعوب الإسلامية عامة إلى هذا الحد من التخلف.. والإجابة على ذلك تكمن في ظاهر معلن وأسرار مبطنة.

والظاهر المعلن أن هذا الشعب هو الذي حمل الرسالة الإسلامية وانطلق بها إلى العالم واثبت أن هذا الدين الحنيف إنما يؤكد على التعلم والتزود بالعلم والمعرفة.. بل هذا هو أساس هذا الدين الحنيف.

وأجدادنا الأوائل تمسكوا بهذا المنهج ونجحوا فيه وكان خيرهم على الوطن العربي والدول الإسلامية وحتى الأوروبية وهذه الظاهرة الايجابية في الحضارة الإسلامية أزعجت الآخرين الذين لا يريدون لأبناء الدين الإسلامي الحنيف التفوق عليهم بل نجزم بأنهم لا يريدون أن يتزود أبناء هذا الدين الحنيف بأي علم حقيقي يؤدي إلى بناء حضارة أو حتى دولة قوية.

ولكن كيف استطاع الأجداد بناء حضارتهم؟ والجواب بسيط ومعروف للكافة وهو أن كتابهم - القرآن الكريم - يحث أبناء الدين الإسلامي للتعلم والتزود بالعلم والمعرفة، وقد قال الله جل جلاله في محكم كتابه (يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير)- سورة المجادلة - الآية 11 - وقوله (الذي علم بالقلم) - سورة العلق - الآية 4.

وقوله (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وآخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في العلم) سورة آل عمران - الآية 7.

وقوله (ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيئا إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وانه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون) سورة يوسف - الآية 68 وقوله تعالى (ولقد آتينا داود وسليمان علماً وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين) سورة النمل - الآية 15. وقوله تعالى (علمه البيان) سورة الرحمن - الآية 4.

وهناك الكثير من الدلالات في القرآن الكريم حث فيها الله عز وجل المسلمين إلى التزود بالعلم لأهميته في بناء الإنسان المؤمن وما يضفي عليه من خير وتقدم ورفاهية.

أما الأسرار المبطّنة التي انتهجتها بعض القوى وقد نالت فعلا من الحضارة الإسلامية وحتى يومنا هذا والمتمثلة في محاولة سلخ أبناء الدول العربية من العلم وبأساليب متعددة ومنها نقل وسائل فاسدة في نقل العلم بحيث يصل هذا العلم إلى متلقيه دون فائدة مرجوة منه، وكما يلاحظ القارئ من مقالنا هذا أن التركيز في مسألة العلم والتعليم.

إنما يقوم على أسس وطرق نقل العلم إلى أبنائنا الذين نتعرض وإياهم هذه الأيام إلى هجمة وتحديات تجب مواجهتها بقوة ولا يمكن مواجهة هذه التحديات إلا من خلال التزود بالعلم والمعرفة والتسلح بهما تسلحاً قويا لصد هذه الهجمات المفتعلة ضد أبنائنا الذين يتعرضون بشكل خاص الى حملة شرسة لإفساد أخلاقهم وتربيتهم الإسلامية لإضعاف علميتهم من خلال أساليب حديثة لم تألفها الأجيال السابقة.

وعلينا أذن تسليح أبنائنا بالإيمان أولاً لدرء المخاطر عنهم وتسليحهم بالعلم من خلال العمل على إيجاد أفضل الطرق العلمية لإيصال العلوم إليهم وتحصينهم ضد الجهل بل نجعلهم أفراد يعملون على بناء مجتمعهم وإيصاله الى الرفعة والمجد.

ولكن كيف يتم ذلك؟ الجواب نجده في نظرة فاحصه بعد استحضار الماضي العربي الإسلامي المجيد ونستذكر عندما كانت الحضارة العربية الإسلامية في قمتها وكان الغرب غارقا في الجهل،وكيف امتدت الفتوحات الإسلامية إلى الغرب والتي بواسطتها تم نقل مستلزمات بناء الحضارة اليهم عن طريق بلاد الأندلس.

وهكذا بدأ الغرب من حيث انتهى العرب المسلمون الذين اعتمدوا على علومهم وطرق نقل تلك العلوم الى الشعب، وبدأ الغرب يطور هذه الأساليب باتجاه تنمية تلك العلوم وبذلك ظهر في الغرب علماء على مر القرون الماضية ووصل العلم عندهم ذروته مقابل تخلف علمي عربي إسلامي.

فالقرن السادس عشر وحتى القرن التاسع عشر شهدت أوروبا نهضة علمية كبيرة خصوصاً في فرنسا التي اهتمت بالعلم والعلماء وكانت زاخرة بالعلماء من المكتشفين والمخترعين ومنهم على سبيل المثال مكتشفة الراديوم مدام كوري وغيرها من العلماء في أوروبا.

وخلال الفترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية ظهرت قوة أخرى خارج أوروبا اهتمت بالعلم وهي الولايات المتحدة الأميركية التي بدأت من حيث انتهى الأوروبيون وطورت المفاهيم وطرق التدريس وإيصال العلم وتفوقت على العالم اجمع وظهر فيها علماء.

ما نريد الوصول إليه اننا يجب ان نأخذ الدروس والعبر من الماضي لتدارك الحاضر وبناء المستقبل وعلى هذا يجب أن نستفيد من تجارب الآخرين وأن نبدأ حيث انتهى الأميركيون ونعمل على نقل العلم والتكنولوجيا وفق المفهوم العلمي الصحيح إلي أبنائنا ونستفيد من الطرق الحديثة للتدريس مع تحديث المناهج الدراسية وننطلق بقوه نحو مستقبل زاهر.

كاتب إماراتي

rashid.shabib@binshabib.ae