السؤال المركزي في الأزمة حول قانون منع الحبس في قضايا النشر الذي يناقشه مجلس الشعب المصري الآن هو: هل يتكرر ما حدث مع التعديل الدستوري الخاص بالمادة 76 الذي بدا كخطوة تاريخية هامة على طريق الديمقراطية ثم التف حوله «ترزية القانون» ليحولوه إلى مادة قانونية غير قابلة للحياة وغير متوائمة مع العصر..
هل يتكرر الأمر مع وعد الرئيس مبارك بإلغاء الحبس في قضايا النشر فيتم الالتفاف عليه، أم يستطيع الوعد الرئاسي ان ينجو من المتربصين وان يحقق الهدف منه كخطوة على طريق الحرية وباب واسع لإصلاح سياسي طال انتظاره؟
أهمية وعد الرئيس مبارك انه جاء في لحظة هامة من التطور السياسي في مصر لم يكن ممكناً أن تظل فيها قوانين الصحافة كما هي. ففي مصر ـ كما في سائر الوطن العربي ـ ميراث طويل من القيود التشريعية الموروثة بعضها من زمن الاحتلال وبعضها من زمن حكومات الأقليات غير الديمقراطية، ولو طبقت هذه التشريعات بحذافيرها لكان السجن مصير كل الصحافيين والكتاب!
ولكن الواقع في مصر فرض ديمقراطية عرفية، والصحافة تعيش الآن مساحة من الحرية غير معروفة منذ سنوات طويلة.
لكن القوانين المقيدة للحريات موجودة حتى ولو لم يتم تطبيقها، وهو أمر غير مفيد لأحد... فمن ناحية يكتب البعض وكان هذا آخر ما يكتبونه... ومن ناحية أخرى يتربص البعض ولديهم الأمل في ان تكون هذه مجرد فترة مؤقتة يعود بعدها كل شيء إلى حاله.
من هنا كانت أهمية وعد الرئيس مبارك، ومن هنا أيضا كانت ضراوة المقاومة لتحويله إلى تشريع يحقق الهدف ويليق بمصر وصحافتها. ورغم مشاعر البهجة بإعلان وعد الرئيس فإنني أدركت بعد أيام أننا أمام معركة ضارية، وأن لوبي الفساد وأعداء الحرية لن يستسلموا بسهولة وسيقاومون حتى النهاية.
وليس هذا بالطبع مجال الحديث عن تفاصيل معركة دارت على مدى عامين من أجل الحريات، ولا الدخول في دقائق الخلافات القانونية، فالقضية لا تتعلق في النهاية بهذه الخلافات القانونية، ولكنها تتعلق بالفجوة القائمة بين القرار السياسي وآليات التنفيذ، وبالرؤية السياسية والعمل البيروقراطي وباحتياجات التطور الديمقراطي ومقاومة الفاسدين لهذا التطور الحتمي.
المشكلة هنا ان البعض لا يريد ان يصدق ان القرار بإلغاء الحبس في قضايا النشر ليس مجرد استبدال عقوبة بعقوبة، ولكنه يعني أن مرحلة جديدة من العمل السياسي تفرض نفسها، وأن هذه المرحلة تستوجب إطلاق الحريات وإسقاط القيود حول حرية التعبير، وإفساح المجال للصحافة لتقوم بدورها كقاطرة لعملية إصلاح سياسي شامل لم يعد ممكناً تأجيلها.
هذا هو المعنى والباقي يدخل في التفاصيل، فالقضية هنا لا تمس الصحافيين فقط،ولكنها تمس كل صاحب رأى، وتدخل في قلب العملية السياسية، وتفتح الباب لخطوات أخرى على طريق ترسيخ الديمقراطية. ومن هنا كانت ضراوة المقاومة من لوبي الفساد وأعداء الحرية.
وبعيداً عن التفاصيل ونقاط الاختلاف الكثيرة، دعونا نتوقف عند نقطة مركزية تكشف عمق هذه المقاومة. ففي الوقت الذي أقر فيه التشريع الحكومي المقترح بإلغاء عقوبة الحبس في جرائم القذف والسب ليكون البديل هو الغرامة والتعويض، إذا به «يخترع» تهمة جديدة تتعلق بالمساس بالذمة المالية ويجعل عقوبتها الحبس! علماً بأن 90 % من قضايا القذف تتعلق بهذه «الذمة المالية»! أي أننا نأخذ باليمين ما نعطيه باليسار!
يحدث هذا في وقت يدرك فيه الجميع ان مكافحة الفساد لا بد ان تكون لها أولوية إذا أردنا إصلاحاً سياسياً حقيقيا وتنمية اقتصادية ضرورية ولا شك ان احتمال حبس الصحافي الذي يطعن في ذمة مواطن (مسؤولاً كان أو غير مسؤول) سوف يقيد حرية الصحافيين في التصدي للفساد.
وكما يحدث في كل دول العالم التي تتمتع صحافتها بكامل حريتها وفى إيطاليا اقتيد رؤساء وزارات ومسؤولون إلى المحاكمة والسجن بتهمة الفساد ـ وفى فرنسا يحاكم الآن وزير الداخلية الأسبق «باسكوا» وغيره من المسؤولين بتهمة التربح من مشروع «النفط مقابل الغذاء» في العراق قبل الغزو الأميركي وقبض أموال لاتخاذ مواقف سياسية في مجلس الأمن! وفى الولايات المتحدة تلاحق الاتهامات نائب الرئيس الأميركي لتهمة إعطاء مناقصات بمليارات الدولارات للشركة التي كان يديرها قبل توليه منصبه!
ويضاعف من خطورة الأمر أننا نعيش في واقع مازال فيه النص القانوني على حق المواطن في الحصول على المعلومات معطلاً، وبالتالي فالحقائق تظل غائبة، وفي الأسبوع الماضي أمضى مجلس الشعب يوما كاملاً في النقاش مع الحكومة من اجل ان يصل إلى إعلان رسمي عن حصيلة عملية الخصخصة وأين تم إنفاقها؟ ولم يصل النقاش إلى شيء واضطر مجلس الشعب ان يطلب من جهاز المحاسبات إعداد تقرير بهذا الشأن!
في ظل غياب المعلومات الرسمية التي ينبغي ـ بحكم القانون ـ ان تكون متاحة لكل مواطن. وفى ظل واقع تزداد فيه الروابط بين السياسة ورأس المال وفى ظل غياب الشفافية في المعاملات المالية بين الحكومة ورجال الأعمال والمسؤولين، وفى ظل عدم التقيد بأحكام القانون التي تمنع المسؤولين من الوزراء وأعضاء البرلمان من التعامل المالي مع الحكومة أو الحصول على أي امتيازات أو الدخول في أية صفقات..
في ظل ذلك كله كيف تمنع الصحافة من المساس بالذمة المالية أو التساؤل حول مصادر الثروات أو الحديث عن صفقات مشبوهة أو كشف التلاعب في البورصة خوفاً من عقوبة الحبس الواردة في القانون والتي سيتم تطبيقها إذا لم يتم تقديم الوثائق على كل كلمة، في حين ان الوثائق محجوبة والنص القانوني على حق الحصول على المعلومات مازال حبراً على ورق؟!.
الخلاف هنا ليس على نص قانوني، ولكنه خلاف في المنهج الحاكم للعمل العام، واختيار بين الحرية وأعدائها، وبين الشفافية وحزب الفساد، وبين تهيئة المناخ لإصلاح سياسي حقيقي أو سد الطريق أمام هذا الإصلاح.
لقد قصرنا الحديث عن نقطة واحدة من أوجه الخلاف لأنها تمثل العنوان الرئيسي لصراع اكبر من صراع حول قانون، وأوسع من ان يقتصر على العمل الصحافي فقط، وحين تحتجب الصحف الحزبية والمستقلة اليوم، وحين يعلن الصحافيون عن الغضب والاحتجاج، فإنهم ينطلقون من فهم صحيح لمبادرة الرئيس مبارك بإلغاء الحبس في قضايا النشر باعتباره خطوة ضرورية لعملية الإصلاح الديمقراطي.
ويقاتلون من اجل ترجمة صحيحة لهذه الخطوة لا تلتف ولا تدور ولا تخضع لابتزاز أصحاب المصالح والفاسدين، وينتظرون من الرئيس مبارك القرار الذي يضع الأمور في نصابها.
نقيب الصحافيين المصريين