التدهور في العراق وصل إلى حالة مخيفة، ليس فقط في ما بلغه من ارتكابات وفظائع عنيفة، بل أيضاً في ما يختزنه من انفلات جنوني للغرائز المذهبية، التي تهدد مصير البلد وأهله، واحتمالات الاستقرار وبناء الدولة، ناهيك بالمعالجة الوطنية. كل شيء بات في مهب الريح، بعد أن نفخت رياح المذهبية وهدرت، كما لم يسبق لها من قبل.

حصلت في السابق اعتداءات على أماكن العبادة في العراق. لكن ما شهده اول من أمس الجمعة، كان من صنف التصعيد المرعب، في هذا المجال: اندلاع حرب المساجد بين الشيعة والسنة.

والرعب هنا أن كل عوامل التفجير، بل الحريق، الطائفي المدمّر، توفرت، وبخاصة الخطاب الملهب ـ الذي تمثل ببعض خطباء الجمعة ـ والتفجير المتبادل للمساجد!

كسر لا معقول للممنوعات وللخطوط الحمر والصفر... وكأن هناك إصراراً على اقتحام دائرة الانتحار الأهلي المريع.

ما يستوقف في المشهد العراقي الراهن، أنه بقدر ما تخطو العملية السياسية إلى الأمام، على صعيد تركيب حلقاتها ومحاولة إطلاق مؤسساتها ومبادراتها، بقدر ما تستعر نار الحرائق التي يصعب إطفاؤها والتي توجه ضربة جديدة لهذه العملية. فمنذ فترة والحديث يتوالى مع التحذيرات، حول الفتنة المذهبية وضرورة قطع الطريق عليها.

وكان من الواضح أن المدخل لهذه المهمة له مفتاح واحد: التوافق السياسي، عندما تم تشكيل حكومة المالكي وشاركت مختلف القوى فيها، تعزز الاعتقاد بأن شرط التوافق هذا قد تحقق وأن الأمور بالتالي ربما تكون قد بدأت ميسرة الانتظام في المجرى المؤدي إلى الهدوء ومنه إلى النهوض.

وجاء غياب الزرقاوي عن الساحة ليصبّ في هذا المجرى ويحمل الكثيرين على الحديث عن انفراجات قريبة مقبلة.

لكن مثل هذه التوقعات، التمنيات ،كان مصيرها الخيبة. ما حصل كان العكس. وأدّى إلى تأجيج الخلافات والصراعات، بحيث وصلت إلى ما وصلته يوم الجمعة. ومعه أخذ الوضع انعطافة خطيرة، واكبتها تهديدات ومفردات غير مألوفة، في خطابات نارية، مشحونة بلغة استنفارية فاقعة وبروح التحدي الواضح.

والمؤرق أنه فيما الحكومة تعلن عن عزمها على حلّ الميليشيات وتعيد تأكيده، تعترف في ذات الوقت بتورط أجهزة أمنية بعمليات التصفية والاغتيال. الأمر الذي يطرح أكثر من سؤال: هل هناك من هو قادر على التخريب على الحكومة ومسيرتها؟

هل هذه الأخيرة باتت، لأسباب كثيرة، جوّانية وبرّانية، غير قادرة على لجم الانفلات، وتحقيق الإجماع على تطويقه ودفنه إلى الأبد؟ ما هي التبعات والتداعيات المترتبة على استمرار هذا الجنون ووصوله إلى حرب المساجد مع بقاء الحكم في حالة الارتباك والعجز أو المراوحة في أحسن الأحوال؟

من غير مجازفة يمكن القول إن العواقب ستكون من الصنف القاتل، لو بقيت الأمور سائرة على هذا الخط. ويقيناً لن تقتصر النتائج على الساحة العراقية. الحرب المذهبية لو سمح لها بالتمادي، ليس هناك في المنطقة من إطفائية قادرة على حصر نارها بساحتها. كما ليس في المنطقة من لا يدرك ذلك تمام الإدراك.

لكن الإدراك وحده لا يكفي. فلا بدّ من ترجمته إلى فعل لاجتناب هذا الانتحار وموجاته المحكومة بالفيضان إلى خارج الحدود.