قراءة المشهد الحالي للعمليات العدوانية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني تبدو أكثر وضوحا بالعودة إلى فشل محادثات «كامب ديفيد» الفلسطينية الإسرائيلية برعاية أميركية،بسبب رفض الزعيم الفلسطيني عرفات برغم ضغوط كلينتون وتهديدات باراك التوقيع على اتفاق يتضمن التنازل عن القدس، وإسقاط حق العودة إلى فلسطين .

وانتهاج تل أبيب وواشنطن استراتيجية اللامفاوضات، أو سياسة التفاوض بلا نهاية وبلا حلول، وممارسة كل أشكال الضغط على الشعب الفلسطيني وعقاب قيادته لإجباره على القبول بشروط للسلام الإسرائيلي الأميركي بما هو أقل من «كامب ديفيد».

ومع تفجر الانتفاضة الثانية انحيازا، نتيجة فقدان الأمل في الحلول التفاوضية، وإدراكا لطبيعة هذه الاستراتيجية،ونتيجة تراجعات تل أبيب بدعم واشنطن المستمر عن اتفاقات أوسلو وما تلاها، وسقوط أقنعة المراوغة، وتوالي الاستفزازات الصهيونية للمقدسات الدينية.

ومع مجيء شارون في المقابل على برنامج «إنهاء الانتفاضة في مئة يوم» تلك الانتفاضة الشعبية التي أربكت الحسابات السياسية، وأنهكت الاقتصاد، وأحرجت الجيش الإسرائيلي، مما جعل سياسة تشديد العنف والقتل والاعتقال وهدم البيوت هى النهج الاسرائيلى بدعم اميركي.

أصبح المشهد العام يشكله صراع للإرادات المتضادة باعتماد العنف المتبادل غير المتكافيء بين مقاومة مشروعة لتحرير الإرادة والأرض ولا تملك السلاح، وجيش احتلال متجبر يغتصب الأرض ويريد كسر الإرادة ويملك كل أنواع السلاح.

وعمد شارون إلى حصار أبو عمار والعمل على تغيير قيادة الشعب الفلسطيني، وإعادة الاحتلال وانتهاج التدمير وضرب المخيمات والاغتيالات والاعتقالات للوصول بالشعب إلى درجة اليأس من جدوى المقاومة، مع يأسه من جدوى الحلول السلمية، لكي لا يكون أمامه إلا الاستسلام .

ومع نجاح إسرائيل بجبروت القوة فى تثبيت معادلة مختلة في الأراضي المحتلة، ترفض التفاوض بحجة عدم الاعتراف بشريك فلسطيني، وتفرض الإملاءات الأمنية والسياسية على السلطة الفلسطينية في مقابل لاشيء.

بشروط شارونية بلاءات ثلاث، لا تنازل عن القدس، ولا عودة للاجئين ولا عودة لحدود 67 . وهى العكس تماما من إرادة الشعب الفلسطيني، بما يباعد من فرص نجاح أي حل سياسي للقضية الفلسطينية، وبما يجعل إمكانية الوصول إلى سلام مقبول غير مرئي.

وبينما جاءت الانتخابات الفلسطينية «الديمقراطية» محاولة ترويضية لإدخال حماس الجهادية في العملية السياسية المجمدة وصولا إلى نزع آخر أسلحة المقاومة الشعبية، بما يمكن إسرائيل في ظل خداع العالم تحت زعم أن المقاومة إرهاب والإرهاب دفاع عن النفس، بفرض شروطها المستحيلة، فاجأ الشعب الفلسطيني العالم بانتخاب حماس اختيارا للمقاومة.

وكان ذلك قلبا للمعادلة السياسية، وإرباكا حقيقيا لكل الحسابات الإسرائيلية والأميركية، ففى مقابل اللاءات الإسرائيلية والتوغل الاسرائيلى في الأرض والإرادة، والتراجع العربي والفلسطيني عن لاءاته الشهيرة الثلاث عام 67

ومع رفض إسرائيل لمبادرة السلام العربية والرد عليها بتصعيد العدوان لفرض الاستسلام.

كان رد حماس عودة إلى ما يشبه لاءات الخرطوم العربية، مع اللاحل بعد مبادرة السلام العربية، لتصحيح المعادلة واستعادة المبادرة، قائلة لا اعتراف بإسرائيل، لا مفاوضة مجانية إلا على أساس الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، لا تخلي عن خيار المقاومة بكل الوسائل لاستعادة الحقوق المغتصبة.

وشرعت مع الفصائل المقاومة فى الرد على العدوان بالعمليات الفدائية، والرد على الاغتيالات بالطائرات بقصف المستوطنات بالصواريخ، و محاولة تحرير الأسرى الفلسطينيين بمبادلتهم بأسرى إسرائيليين، كان يحدث ذلك في ظل مراهنة إسرائيلية فاشلة على حتمية الاقتتال الفلسطيني بين «فتح» التي لا ترى ذلك هو الطريق وبين «حماس» التى لا ترى طريقا إلا المقاومة.

ومع وقوع العملية الفدائية المهينة للجيش الصهيوني مع اتفاق الطرفين على وثيقة الوفاق، تجيء العمليات العدوانية بحجة تحرير الجندي كجزء من عملية صراع الإرادات، وإعادة صياغة المعادلات، ليس فقط لإسقاط حماس ولكن لعقاب الشعب الذي اختارها، وليس لعقاب عباس ولكن لتدمير السلطة الوطنية.

لكن مرة أخرى يقعون في خطأ الحساب . يقع اولمرت في خطأ أوهام شارون التي سقطت فسقط بعدها، ويقع بوش في خطأ حسابات كلينتون وسقط بعدها.. وبقي الشعب الفلسطيني يمارس إرادته في الحق والعدل والحرية وصولا إلى السلام.

mamdoh77t@hotmail.com