بعد ثلاثة أعوام من إعلان الولايات المتحدة وبريطانيا الانتصار في حرب العراق ما الذي جنته بريطانيا على نفسها؟ وكيف ينظر الرأي العام البريطاني لتلك الحرب؟ وكيف تعبر الديمقراطية البريطانية عن نفسها في بلد يعد مهد الديمقراطية في العالم؟ وهل تحركت قوى الداخل لدفع القرار البريطاني باتجاه الانسحاب من العراق؟ أم ان هذا القرار لا تملكه بريطانيا المقترنة بتحالف متين مع الولايات المتحدة؟.
نعم لقد حان الوقت لطرح هذه الأسئلة في بريطانيا وأضحت تلك التساؤلات وكثيرة غيرها محط تداول في مختلف الأوساط البريطانية. على الرغم من ان الحوار السياسي ليس مشاعا في التقاليد البريطانية التي تعارفت على احترام السياسيين حتى لو بلغ التناقض معهم أقصى الحدود.
في بريطانيا تعد الصراحة في القضايا السياسية مبدأ راسخا في التنشئة السياسية ولكن الصراحة لا تعني الكلام العام في المقاهي والحانات إنما هناك قنوات لإيصال الآراء إلى البرلمان ومن ثم إلى الحكومة. هذه القنوات تبدأ بقادة الرأي والأحزاب وجماعات المصالح وتمر عبر الصحافة والإعلام لتصل إلى البرلمان وتفرز منها القرارات.
والبريطانيون في الغالب يلتزمون بحالة مهمة وهي أنهم قد يصبون جام غضبهم على الشخصيات الحكومية في ما يتعلق بقضايا ومشكلات الداخل. ولكنهم لا ينتقدون أشخاص الحكومة علنا، إنهم ينتقدون الأفعال الحكومية في القضايا الدولية.
تلك المقدمة التعريفية كان لابد منها قبل أن نصل إلى قلب مقالنا.لأن ما يجري في بريطانيا قد يبدو محيرا فهناك رأي عام قوي أضحى يناهض الحرب على العراق أو بمعنى اصح الوجود العسكري البريطاني في العراق، هذا الرأي له أسباب أساسية منها:
1ـ فقدان الحرب على العراق للمبررات الحقيقية والمنطقية خاصة بعد عجز الحكومة البريطانية عن تقديم اي دلائل منطقية وواقعية تثبت الادعاءات التي قامت عليها تلك الحرب: أسلحة الدمار الشامل ،العلاقة بين النظام العراقي والقاعدة.. الخ.
2ـ الخسائر التصاعدية في صفوف الجيش البريطاني وتصاعد حالة الرفض الشعبي للقوات البريطانية في مناطق تواجده في جنوب العراق فبعد أن كانت حالات قتل الجنود البريطانيين لا تتجاوز الحالة أو الحالتين في مطلع عام 2004 أصبحت اليوم جثث القتلى البريطانيين بالعشرات.
3ـ أحداث يوليو والتي أكدت على أن الحرب على العراق جعلت لندن أحد أهداف القاعدة وان المصالح البريطانية أضحت في محل التهديد المباشر. ولكن على الرغم من المعارضة المتنامية للوجود البريطاني في العراق إلا أن الحكومة لا تزال متمسكة بموقفها والسير قدماً في إبقاء قواتها العسكرية في العراق مهما كانت النتائج المترتبة والخسائر الناجمة.
السياسيون الرافضون
أبرز الرافضين لاستمرار الوجود البريطاني في العراق هم السياسيون سواء أكانوا من أعضاء الحزبين وخاصة حزب المحافظين أم كانوا من السياسيين المستقلين.
هؤلاء السياسيون يوظفون تلك القضية للهجوم على الحكومة ليس بشخصها المتمثل برئيس الوزراء توني بلير بل حزب العمال البريطاني محاولين تطبيق استراتيجية طويلة الأمد تضمن عودة المحافظين وبقائهم لأطول فترة ممكنة مستغلين موقف الرأي العام البريطاني من الأخطاء المستمرة لحزب العمال.
هذا الموقف عبر عنه المرشحان الأبرز لرئاسة حزب المحافظين وهما كل من كينث كلارك ومكولم رفكند وكل منهما يستند إلى ان حكومة توني بلير ارتكبت خطأ كارثيا بالمشاركة في الحرب على العراق.
أما حزب الديمقراطيين الأحرار البريطاني فان موقفه نابع من موقف جماهير الحزب التي ترى في الحرب على العراق واحدة من أهم الأخطاء التاريخية في تاريخ بريطانيا ويعلق مينزيس كامبل نائب رئيس حزب الديمقراطيين الأحرار البريطاني قائلا:
«لا يوجد ما يبرر الحرب التي بنيت على معلومات زائفة كما أن تغيير النظام في العراق كان عملا غير مشروع وفق المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة أسفر عنه سقوط العديد من الضحايا المدنيين وخسارة مستمرة لملايين من الجنيهات الاسترلينية».
إضافة إلى قادة الأحزاب هنالك القضاة والقضاء أحد أهم السلطات المؤثرة في القرار البريطاني ومن ابرز المعارضين للحرب على العراق القاضي اللورد ستون الذي يعد الأقدم بين القضاة في بريطانيا وعضو مجلس اللوردات. ومن أبرز السياسيين المعارضين للحرب على العراق جورج غالوي وهو يمثل احد الرموز السياسية البريطانية التي تعبر عن الأخلاقية المثالية البريطانية الراقية.
مراكز البحوث والدراسات
تعد مهد التكوين الفكري في السياسة الخارجية البريطانية وهي على الرغم من اتفاقها مع الفكر السياسي الأميركي إلا أن المدرسة البريطانية لديها مميزاتها التي من أبرزها العمق في طرح الأفكار والقضايا السياسية وابتعادها عن تأثيرات السياسيين، وذلك يعود بالدرجة الأساسية إلى أن أغلب أعضاء مراكز البحوث والدراسات في لندن خصوصا وفي المملكة المتحدة عموما هم من الأكاديميين الملتزمين بالخط الأكاديمي المستقل.
مراكز البحوث البريطانية ناقشت قضية الإرهاب والحرب على العراق وكانت أدواتها الندوات والحوارات واستطلاعات الرأي. ويبدو ان هنالك شبه إجماع على ان الحرب على العراق واحدة من أهم أخطاء السياسة الخارجية البريطانية. هذا ما أكده التقرير الذي نشره المعهد الملكي للشؤون الدولية والبحث الاقتصادي والاجتماعي.
حيث أشار التقرير الذي أثار جدلاً واسعاً في بريطانيا إلى ان الحرب على العراق ليست لها علاقة بالحرب على الإرهاب بل انها أعطت تنظيم القاعدة دفعة جديدة. ولقد اشارت آخر استطلاعات الرأي الذي أجراه مركز بوبولس لصحيفة «التايمز» تزايداً حاداً في عدد المطالبين بسحب القوات البريطانية من العراق بأسرع وقت وقد ارتفعت نسبة المعارضين إلى 64%.
أمهات الجنود
أمهات الجنود البريطانيين في العراق يمثلن إحدى جماعات الضغط المتنامية. فالأم في بريطانيا تمثل شكل العائلة التي هي رمز الفكر الاجتماعي البريطاني الذي يحتوي جميع العادات والتقاليد البريطانية ذات الخصوصية، وبالتالي فإن تجمع أمهات الجنود البريطانيين المعارضين للحرب في العراق إنما يعني ان هناك معارضة للحرب على العراق تأتي من قلب المجتمع البريطاني.
وعليه فان تلك المعارضة تنقض أي تبرير يدعو إلى استمرارها وبالتالي فهو هجوم يبدد الحملة الإعلامية التي تستند عليها الحكومة البريطانية لكسب الرأي العام البريطاني.
ان الأمهات يعتبرن أن الحرب في العراق لا تحظى بدعم شعبي بتاتا وان أبناءهن معرضون لمخاطر حقيقية. وللأمهات تأثير كبير على قرار الأبناء بالالتحاق بالجيش. إذ يحثثن أبناءهن وبناتهن على عدم الالتحاق بهذه المؤسسة خوفاً من أن يقتلوا في العراق.
موقف الحكومة
إزاء تلك المعارضة المتنامية للحرب في العراق فان الحكومة البريطانية أضحت تتعامل مع تلك المعارضة بتجاهل وفي بعض الأحوال بالقمع كما حدث في التظاهرات الحاشدة التي شهدتها العاصمة لندن عام 2005 والتي نظمتها جمعية «ستوب ذي ورد» وجمعية «الحملة من أجل نزع السلاح النووي» وبعض المنظمات الإسلامية في لندن، حيث قامت الشرطة البريطانية بضرب بعض المتظاهرين تحت ذريعة إخلالهم بالأمن العام.
موقف الحكومة من المعارضة يمكن تحليلية بالانطلاق من فرضيتين:
الأولى ان الحكومة البريطانية لديها مشاريعها الخاصة في العراق وهي مشاريع لا يفهمها الشارع البريطاني. فبريطانيا كانت ترى في غزو العراق وفي وجودها في منطقة الجنوب خاصة فرصة ذهبية للسيطرة على أهم منابع النفط في العالم ولقد غذت الشركات النفطية الكبرى هذا الاعتقاد وخاصة شركة شل العملاقة التي تنافست على عقود إعمار العراق قبل غزو العراق بفترة طويلة وكان الجنوب العراقي من حصتها.
الفرضية الثانية مفادها العلاقات الخاصة مع الولايات المتحدة وعمق التحالف الانجلو ـ أميركي الذي يجعل الحكومة البريطانية ملزمة استراتيجيا بالتنسيق مع الولايات المتحدة.
وإزاء هاتين الفرضيتين تبقى الاحتمالات مفتوحة أمام تصاعد العنف في العراق ووصول خطورة الموقف إلى مستوى الخسائر الجسيمة في صفوف القوات البريطانية. إضافة إلى المتغير الإيراني الذي اخذ يصعد الموقف في العراق فيبدو أن بريطانيا سوف تدخل في قتال غير متوقع مع متغير لم يحسب حسابه كما لم يتم حساب الكثير من متغيرات الأرض في العراق.
ما ورد أعلاه دفع الحكومة البريطانية إلى التقليل من حدة موقفها حيث أبدت وزيرة الخارجية البريطانية مارغريت بيكيت ان بريطانيا على استعداد إلى تسليم مهمات الحماية إلى القوات العراقية. ولقد تم بالفعل الإعلان عن انسحاب القوات البريطانية من محافظة السماوة في مطلع شهر يوليو الحالي. وكذلك سيتم التخطيط للانسحاب من محافظة ميسان.
ورغم أن رئيس الوزراء البريطاني يدعي أن الحكومة مهتمة بكل الآراء المعارضة للحرب في العراق إلا أن الحلم البريطاني في العراق لا يزال قائماً.
رئيس الوزراء البريطاني يدعي أن وجود القوات البريطانية في العراق لمساعدة هذا البلد على إعادة بناء نفسه وتحسين خدماته والدفاع عن المدنيين الذين يواجهون خطر الإرهاب. إلا أن الجنود البريطانيين في العراق ليسوا جنود العدالة كما يصورهم رئيس الوزراء البريطاني، فقتل المدنيين وتعذيب السجناء العراقيين وفضائح وانتهاكات متزايدة يرتكبها الجنود البريطانيون ربما تناقض كلام رئيس الوزراء.
وليس هناك من يعيد بناء العراق وليس هناك من يحمي شعب العراق وليس هناك من يستطيع ايقاف نزيف الدم العراقي والمفارقة انه ليس هنالك من يستطيع الاستفادة من العراق بعد كل الخراب الذي حل. لذلك فالرحيل البريطاني بقرار بريطاني وفق قياسات الحاضر أفضل مما ينتظر القوات البريطانية وفق متغيرات المستقبل القريب.
كاتبة عراقية
