خطف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليت كان الحجة المطلوبة لإطلاق عملية «أمطار الصيف». أياً كانت طبيعة إدارة عملية الاجتياح من حيث التباطؤ والتوقف والتصعيد الناري والتوسع والتأثيرات العملية والسياسية الداخلية وبالأخص العلاقات المدنية العسكرية وكذلك التأثيرات الخارجية في إدارة عملية الاجتياح، فإن هذه الأخيرة تعكس بأي حال قراراً واعياً ومدروساً بالتصعيد النوعي. تصعيد يندرج في استراتيجية حافة الهاوية.
ماذا تعني هذه العملية المستمرة ولو اختلفت الوتيرة العسكرية في كل مرحلة من مراحلها:
1- تأتي سياسة الخطف المستهدف استكمالاً لسياسة الاغتيال المستهدف في إطار الانتقال من مرحلة الحصار، حصار حكومة حماس، إلى مرحلة الإسقاط عبر التدمير المباشر، انه المنطق الذي يقوم على المعادلة التالية: إذا لم ننجح في ايجاد صدام مباشر ومفتوح بين السلطة والحكومة لإسقاط مساكنة أو تعايش الحد الأدنى الممكن ولو انه تعايش كان حاملاً للشلل السياسي وللتوتر والعنف الأمني.
فيجب العمل على إسقاط الاثنين معاً ولو أدى ذلك إلى ايجاد فراغ كلي. وتهدف سياسة الخطف الجماعي أو سياسة المقصلة إلى «قطع» الرأس السياسي لحماس وتفتيت هذه الأخيرة إلى مجموعات صغيرة متنافسة بحيث ينتهي وجود مرجعية واحدة أو «عنوان واحد» لحركة حماس. وتعتبر هذه السياسة أن الخطف المستهدف قضية إسرائيلية داخلية.
وتبررها الحكومة الإسرائيلية بأن إيقاف الوزراء والنواب، وهي سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، يزيد من خطورتها القبول الدولي الضمني لذلك، بأن هذا التوقيف هو مسألة «أمنية جزائية» وافقت عليها المحاكم الإسرائيلية.
الأمر الذي يعكس بشدة وبشكل ساطع طبيعة النظرة الإسرائيلية إلى الصراع، فهو صراع ليس مع طرف آخر متساو على الصعيد السياسي ولكنه مسألة داخلية بين دولة و«خارجين عن القانون»، تنتفي في طياتها وفي تعريفها مفاهيم الحقوق الوطنية وطبيعة القضية التي هي قضية احتلال وتحرير التي تحد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
2- إقفال «النافذة المفتوحة» التي كان يفترض أن تستمر ستة أشهر حسب رئيس وزراء إسرائيل قبل اللجوء إلى سياسة الانطواء لأنه صار من الصعب العودة إلى التفاوض مع الآخر أياً كان ذلك الآخر ولم يعد من الممكن للسلطة الفلسطينية في ظل المناخ الذي أوجدته سياسة «أمطار الصيف» من العودة «للتحدث» و«استكشاف» إمكانات التفاوض مع الحكومة الإسرائيلية ونوايا هذه الأخيرة خاصة أن شعبية حماس في طريقها إلى الازدياد في إطار هذا الوضع الجديد.
3- تأتي هذه العملية كرد مباشر وشبه استباقي وقاطع على النجاح في التوصل إلى اتفاق حول وثيقة الأسرى لمنع هذا الاتفاق من ايجاد دينامية سياسية تصالحية فلسطينية قادرة أن تدخل حماس ولو بتدرج في العملية السياسية وتربك بالتالي أوراق استراتيجية الانطواء الإسرائيلية.
4- إذا كان عنوان ومبرر سياسة الانطواء الإسرائيلية هو غياب الشريك الفلسطيني فإن المطلوب دعماً لهذا العنوان التغييب الفعلي لهذا الشريك سواء على المستوى السياسي أو الأمني أو المؤسسي وهذا ما تدفع باتجاهه استراتيجية «أمطار الصيف» التي تدفع لايجاد التطرف وتغليب منطقه وايجاد مناخ يشرعنه في المجتمع الفلسطيني مع ازدياد سياسة القتل وانسداد الأفق السياسي وتحميل الفلسطينيين ثمن هذا الانسداد المسؤولة عنه إسرائيل.
استراتيجية «أمطار الصيف» تضع الوضع الفلسطيني الإسرائيلي أمام خيارين لا ثالث لهما:
الخيار الأول والأقل احتمالاً بسبب الاختلال الحاد في توازن القوى على كافة الأصعدة بين الإسرائيليين والفلسطينيين هو خيار التوصل إلى تفاهم يقوم على قواعد لإدارة الصراع تبقى لمرحلة انتقالية طويلة.
اتفاق من نوع «تفاهم نيسان» اللبناني الإسرائيلي الذي قام منذ عشر سنوات رغم اختلاف الظروف بين الحالتين.
فازدياد التوتر ومخاطر حصول انعكاسات أمنية وعسكرية وتداعيات سياسية تتخطى الإطار الفلسطيني الإسرائيلي المباشر قد تدفع إلى إحياء دور الطرف الثالث للدفع باتجاه بلورة هذا النوع من التفاهم ذات القواعد الواضحة والتي تعكس نوعاً من الالتزامات التبادلية والمتساوية.
وهو ما ترفضه إسرائيل بشدة ولا يمكن أن ترضى به وترضخ لمنطقه إلا إذا وجدت نفسها في مأزق أمني خطير أو مأزق سياسي دولي صعب جداً أيضاً.
الخيار الثاني وهو المرجح في ظل سياسة الانطواء ومواكبتها وحمايتها وتعبيد الطريق أمامها هو مزيد من التصعيد والتورط الإسرائيلي من خلال الغرق من جديد في غزة وتحول الصراع إلى ما يعرف بالصراع الاجتماعي الممتد حيث ينفجر الصراع على المستوى المجتمعي بين إسرائيل وفلسطين ولو تختلف الوتيرة والحدة من حين إلى آخر نتيجة لوساطات ذات مفاعيل مؤقتة وتدخلات ظرفية لاحتواء التوتر دون أن يعني ذلك إلغاء مصادره.
طالما استمرت سياسة الانطواء الإسرائيلية وفرض السلم الأحادي ورفض القبول بالشريك الفلسطيني وطالما استمر الاختلال في موازين القوى مع غياب الدور الدولي الفاعل، دور الطرف الثالث، في ظل هذا الخيار ستحضر «أمطار الصيف» لعواصف الشتاء المقبل.
كاتب لبناني