تطلق كوريا الشمالية صواريخها العابرة للقارات، والأقل مدى، فتهتز آسيا وتزأر أمريكا، وتتعقل أوروبا، لكن أن تمطر الصواريخ الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني وأرضه وتُقطع المياه، والكهرباء، وتُمنع الأدوية، فالمسألة توسم بالأحداث التقليدية المعتادة، التي لا تهم من ينادون بحقوق الإنسان، وتعميم الحريات، وإيقاف الحروب، والسبب أن إسرائيل الطرف الأقوى، ولذلك فجنديها الأسير، يساوي شعباً، وهي المعادلة الغربية التي لم تتغير منذ بدايات الاستعمار، وحتى تاريخ الاستعمار الحديث بأدواته المختلفة.
بدأ الغربيون بنظرية أن شعوب القارات الكبرى غير مؤهلة لحكم نفسها، لكن السبب ثروات تلك القارات، وجاء الاحتلال ليخلق بؤر الصراع الداخلي الديني، والقبلي والقومي، وتهجير قوى شعبية كبيرة، وجلب أخرى لتعاون دول الاستعمار على تشكيل قوة حمايتها وطوائفها الخاصة، حتى إن مهزلة إقليم صغير في نيجيريا باسم بيافرا كانت بريطانيا تريد عزله التام عن الوطن الأم لأن الغالبية مسيحية، وهو ما جرى حديثاً مع أندونيسيا باقتطاع تيمور ووضعها كدولة مع محدودية إمكاناتها والتي فجرت اضطرابات لا تزال تهدد وجودها.
فلسطين لم تكن استثناءً بل جاء اقتلاع شعب من أرضه تحت ظل تحالف مسيحي - يهودي، ومن يعتقد بتدني المسيحية بأوروبا، يجهل تماماً كيف أصبحت وظيفة سياسية لخطط استراتيجية بعيدة المدى، والأكثر وضوحاً وترجمة لهذه الأهداف حكومات أمريكا، والتي أصبحت مع بوش عقل السياسة واتجاهاتها، ولذلك من المستحيل إدانة إسرائيل من قبل الحكومات الأوروبية وأمريكا، لأن ما يجمعهم أكبر من حكاية صراعات المنطقة إلى فرض وجود دولة عضو في تلك المنظومة تخدم أهدافهم، ووجودهم السياسي والعسكري.
الفلسطينيون عاشوا محنة التسلط الأوروبي - الأمريكي، والتاريخ سيكشف الأوراق السرية التي بدأت مع وعد بلفور، وحماية الحكومات الغربية لإسرائيل، لكن الطفل الفلسطيني هو الذي يغذي هاجس الرعب لأنه محرك أدوات الصراع وعدم القبول بالهزيمة، ولذلك فشلت أساليب التدمير والتجويع والحصار لأن من احترف المواجهة يبقى أميناً لجذوره الوطنية والتاريخية، وهذه الحقائق تريد إسرائيل إزالتها من الذهن الفلسطيني بإنشاء الجدران العازلة واستخدام أحدث التكنولوجيا العسكرية و(كاميرات) المراقبة، ومع ذلك فالهزيمة لن تأتي لشعب مناضل.