في رؤيته لمحركات السياسة الأميركية نحو منطقة الشرق الأوسط يرى المفكر اليهودي الأميركي «نعوم تشومسكي» المناهض للسياسة الأميركية في العديد من القضايا العالمية أن قوة «اللوبي الصهيوني» ليست هي المحرك الأول لهذه السياسة ولكنها تتحرك أساسا بقوة دفع «لوبي النفط» و«لوبي السلاح» .

وبغض النظر عن رؤية يهودي محترم، قد يرى تبرئة طائفته التي يعارض قطاع منها العنصرية الصهيونية، من آثام السياسة الأميركية المنحازة للدولة الصهيونية، فلا يمكننا غض النظر عن مدى ارتباطات اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة بل وفى أوروبا بـ «لوبي النفط» و بـ «لوبي السلاح» وتأثير ذلك كله في صنع القرار الأميركي،

ليس فقط في الاتجاه ولكن أيضا في الهدف، حتى يمكننا القول ان عالمنا وليس فقط منطقتنا، قد أصبح ضحية مطامع أصحاب المصالح من «لوبي النفط»، وأخطر منه أصحاب المصالح في إشعال الحروب من «لوبي السلاح»، اللذين قد يؤثران في دفع السياسة إلى شن الحروب في منطقة، لكن اللوبي الأخطر هو اللوبي الصهيوني الذي يتغلغل في عهد المحافظين الجدد في التأثير على القرار الأميركي ليغدو قرارا صهيونيا .

وعندما تكشف استطلاعات الرأي العام الأميركية عن أن رأس مؤسسة القوة والسلاح ممثلا في وزير الدفاع «دونالد رامسفيلد» يحتل المركز الأول بين من تنقصهم الحكمة، ويليه في المركز الثاني رأس مؤسسة القرار السياسي الأول ممثلا في رئيس أقوى دولة في عالم اليوم هو «الرئيس الأميركي» جورج بوش، لا نملك إلا الشعور بالقلق بعد أن أصبح عدد من عديمي الحكمة يحكمون العالم، وبعد أن نكتشف أننا أصبحنا في عالم بات فيه الأقوياء تنقصهم الحكمة، والحكماء تنقصهم القوة،

ومع أن القوة بغير حكمة هي طريق الندامة، والحكمة حتى بغير قوة تبقى طريق السلامة، لكن حماقة القوة جعلت من لغة القوة وسيلة وحيدة لتعامل «واشنطن» مع المشاكل العالمية بهدف حلها «بالطريقة الأميركية» التي تبدأ بمحاولة فرض الهيمنة، وفرض الإملاءات، والتهديد بالقوة، ثم استخدام القوة في الحق والباطل وفيما يستدعي الحل بالقوة أو الحل بالسياسة، توافقا مع الشرعية الدولية أو خارج نطاق الأمم المتحدة لا يهم!

في حين أن كل العقلاء في العالم، بل كل المواثيق الدولية تدعو لحل المشاكل والأزمات بالوسائل السلمية، ولا تجيز استخدام القوة إلا حينما تحتل أراضي الوطن أو تفرض عليه الحرب عندما يتعرض للاعتداء العسكري، كما تعتبر التهديد بها عملا من أعمال العدوان، وكل الحكماء في العالم يدركون بأن النار لا تطفئ النار بينما الماء هو الذي يمكن أن يطفئها، كما يدركون أن الفارق كبير بين العنف والقوة، وأن استخدام القوة يستدعي الرد بالقوة،

وأن إرهاب الجيوش يفجر إرهاب الجماعات والأفراد، وأن العنف لا يولد إلا العنف، والمنطق السوي يفترض أن الوسائل السلمية لحل أي نزاع هي الحوار والدبلوماسية والوساطة والتحكيم بين أطراف النزاع وفق المرجعيات الدولية المعترف بها وأهمها ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لكنه يبدو أن أقوياء القرن الحادي والعشرين وبعض الذين يحكمون العالم، لم يتعلموا شيئا من مآسي الإنسانية وحروبها غير الإنسانية على مدى القرون وبعد حربين عالميتين راح ضحية لهما عشرات الملايين،

وبدلا من إدراك قيمة السلام تزدهر لديهم صناعة السلاح، حتى أصبحت التدخلات العسكرية الدولية هي الحل الأمثل حتى في المشاكل الإنسانية التي لا يجدي السلاح إلا في زيادة أعداد ضحاياها، مثل حالات الجفاف ونقص الغذاء والدواء والنزاعات الأهلية حول المراعي والمياه، فباتت وصفة السلاح هي الطعام لكل جائع، والدواء لكل مريض، والبراء لكل جاهل، والثراء لكل فقير،.. وبات نشر الحرية يتم بالصواريخ الاستراتيجية، وتحقيق الديمقراطية بالخيارات العسكرية، وبناء التنمية بالقنابل التكتيكية النووية!

وإذا كانت الحروب تصنعها المظالم وتحركها المطامع بتحقيق المكاسب، والرغبة في الانتقام والانتصار على الخصم، وترسم أوهام النصر فيها وفرة وسائل القوة و غياب معالم الحكمة، والشعور بغطرسة القوة؛ الذي يولد حماقة القوة وخطأ الحساب، وقصر النظر وغباء القرار، فإن الطريق إلى السلام يمر من شجاعة الانتصار على النفس و الاعتراف بحقوق الغير، ومن فضيلة تطبيق العدالة، ومن الإدراك العميق بأن للقوة حدوداً تفقد بعدها أي تأثير، وأن الحروب لا منتصر فيها والكل فيها خاسر، وأن الحوار بقوة المنطق وفق الحق والعدل أقوى من الحوار بمنطق القوة بكل دوافع العدوان.

mamdoh77t@hotmail.com