صدر حديثاً كتاب جديد يتوسع في الحديث عن موضوع مألوف: غياب نخبة أميركا وطبقتها الحاكمة - وأولادهم - عن صفوف القوات المسلحة الأميركية. الكتاب بعنوان «الغياب غير المبرر لطبقات أميركا العليا عن الخدمة العسكرية - وكيف يلحق الضرر ببلدنا؟». ومؤلفا الكتاب، كاثي روث دوكويت وفرانك شايفر، لم يعتنقا الروح العسكرية بقدر اعتناقها لهما.

روث دوكويت تصف نفسها كناشطة سياسية مشاكسة ومناصرة لحقوق المرأة في المساواة مع الرجل ومناصرة لعائلة كلينتون. وصادف انها وقعت في غرام طيار من سلاح البحرية وتزوجته، ظناً منها، كما أخبرتني، أنها تستطيع خلال سنة أن تغير رأيه وتقنعه بترك الخدمة العسكرية. لكنها بدلاً من ذلك وجدت نفسها تقع في هوى الحياة العسكرية، لدرجة أنها شعرت بسعادة بالغة عندما تمت ترقية زوجها هذه السنة إلى رتبة كولونيل لأن ذلك سيعني أنهما سيكسبان بضع سنوات أخرى في الخدمة الفعلية.

أما المؤلف الثاني فرانك شايفر فلقد كان روائياً ورساماً ومخرجاً، رأى كل خططه لمستقبل ابنه - تفوق في الدراسة الجامعية ونال وظيفة مرموقة - تنهار أمام عينيه عندما قرر ابنه الانضمام إلى صفوف مشاة البحرية بعد إنهاء الدراسة الثانوية. ومن البديهي القول ان كلا المؤلفين سرعان ما اكتشفا أنهما الوحيدان في أوساطهما الاجتماعية اللذان لهما صلات شخصية بالقوات المسلحة اليوم.

وفي الماضي وحتى عام 1956، كان حوالي 400 من خريجي جامعة برينستون الشهيرة يخدمون في القوات المسلحة. وفي عام 2004، لم ينضم إلى صفوف القوات المسلحة سوى تسعة خريجين من تلك الجامعة نفسها. لا بل ان هارفرد ويال وبروان وغيرها من الجامعات الأميركية النخبوية لا تسمح حتى بإقامة دورات تدريبية لضباط الاحتياط في حرمها الجامعي.

وفي السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، كان كل أعضاء الكونغرس تقريباً من المحاربين القدامى الذين خدموا في القوات المسلحة. وبحلول عام 1971، كان ثلاثة أرباع أعضاء الكونغرس قد لبسوا الزي العسكري. و اليوم، فقط ربع أعضاء مجلس النواب ومجلس الشيوخ خدم في القوات المسلحة.

وخلال الحرب العالمية الثانية، كان للرئيس فرانكلين روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل ولدان في الخدمة العسكرية. لكن الزعماء السياسيين اليوم وبقية النخب في البلد لا يشعرون بنفس الإحساس بالواجب لإرسال أبنائهم للخدمة العسكرية التي لا تخلو من المخاطر. والآباء والأمهات في الأحياء الغنية الراقية نوعاً ما يطالبون بعدم السماح لمندوبي التجنيد بزيارة المدارس التي يذهب إليها أبناؤهم، أو حتى إعطائهم أسماء الأولاد وأرقامهم الهاتفية.

وتضطر دوائر التجنيد نتيجة لذلك للهبوط إلى أدنى بدلاً من الصعود إلى أعلى، وتقديم حوافز تصل إلى 40 ألف دولار لإغواء الشبان والشابات للقبول بأعباء الخدمة العسكرية. ولقد اضطر الجيش، على وجه الخصوص، للقبول بأعداد أكبر من المجندين الذين لا يحققون نتائج في اختبارات الأهلية العسكرية، وأنشأوا برامج لتجنيد المنقطعين عن الدراسة الثانوية. هذا في الوقت الذي لا يزال فيه وزير الدفاع مصمماً على «تحويل» الجيش إلى قوة أصغر تعتمد أكثر على التكنولوجيا العالية والسرعة.

يجادل روث دوكويت وشايفر بأن هناك ثلاث عواقب محتملة خطرة لهذا الانقسام المدني العسكري: ـ غياب المحاربين القدامى عن عملية صنع القرار تؤثر في قدرة أميركا على اتخاذ القرارات الصائبة حول استخدام قواتها المسلحة. وبدون هؤلاء، لا يكون لدى القيادة العسكرية فهم وافٍ للتكلفة الحقيقة للحرب ومن يدفع ثمنها.

ـ أي انقسام بين القوات المسلحة وبقية فئات المجتمع يضعف البلد، ويزيد خطر «الإفراط» في استخدام القوات المسلحة، وسرعة تلاشي الدعم لأي مشروع يصبح نقطة ضعف سياسية. ـ وأخيراً «عندما يقوم هؤلاء الذين يحققون أكبر استفادة من العيش في البلد بتقديم أقل مساهمة في الدفاع عن بلدهم في حين يطلب من أولئك الأقل استفادة أن يدفعوا أكبر ثمن، عندها يكون مكروه ما قد أصاب روح البلد».

ـ يعتقد كلا المؤلفين أن الحل لا يكمن في التجنيد الإجباري، بل في التوجه بالطلب إلى شباب أميركا بأن يخدموا، وتحديهم في أن يخدموا، ومطالبتهم بأخذ ملكية الحرية والديمقراطية التي، في حالة العديد من شباب النخبة، رفض آباؤهم القبول بها. ـ وكما قالت لي روث دوكويت «إذا استطاعت الحياة العسكرية أن تغير امرأة ليبرالية حتى النخاع مثلها، فلا بد من وجود قيمة سامية تستحق التضحيات».

خدمة «لوس أنجلوس تايمز»

خاص لـ: «البيان»