في مثل هذه الأيام من العام 1982، كان الجيش الإسرائيلي تحت إمرة ارييل شارون يحاصر 25 كيلومتراً مربعاً كان يطلق عليها «بيروت الغربية». كانت بطولة كأس العالم جارية في المدن الاسبانية وكان المقاتلون الفلسطينيون ومقاتلو الحركة الوطنية اللبنانية ينتهزون ساعات الهدنة القليلة ويشاهدون مباريات كأس العام. وكان الراحل ياسر عرفات يطوف على المقاتلين ويشاركهم المشاهدة بضع دقائق ويلقي ببضع كلمات وجمل مقتضبة تتناقلها وكالات الأنباء قبل أن يمضي بين مخابئه.
فازت ايطاليا ببطولة ذلك العام وقام الايطاليون في خطوة غير مسبوقة بإهداء الكأس لمنظمة التحرير الفلسطينية لمدة أسبوع تقديرا لنضال الشعب الفلسطيني. وها هي الكرة تعود، فالحصار يبدو قدر الشعب الفلسطيني، الجيش الإسرائيلي يحاصر غزة تمهيداً لاجتياحها وهاهي ايطاليا تستعد لخوض المباراة النهائية على كأس العالم غدا، فهل يمكن أن نتوقع أن تهدي إيطاليا الكأس (إن فازت) للشعب الفلسطيني تقديراً لنضاله؟.
الفارق بين 1982 و2006 يختزل لنا جملة من التغيرات التي طرأت على الفلسطينيين أنفسهم قبل العالم. ففي ذلك الوقت (1982) كان هناك إطار جامع للهوية الفلسطينية اسمه «منظمة التحرير الفلسطينية» وكانت العبارة الملازمة لهذا الإطار هي: «الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني».
استحقت المنظمة شرعيتها أمام العالم لا بفضل نضالات الشعب الفلسطيني فقط، فلا يكفي الادعاء بالشرعية أو الإصرار عليها مجردا لكي يعترف العالم بها. احد العناصر الجوهرية في فرض هذه الشرعية كان يتمثل في قدرة الفلسطينيين على الإصغاء للعالم أيضاً. هذا يعني من بين معان عدة أن كسب العالم لصالح الموقف الفلسطيني كان يقتضي إدراك أهمية هذا العالم أيضا، فيما خص أوروبا فان الفلسطينيين إذا حققوا نجاحا في معركة كسب الرأي العام العالمي فان كسب أوروبا كان الانجاز الأهم.
لقد ظل الموقف الأوروبي متقدما بأشواط كثيرة على الموقف الأميركي منذ سبعينات القرن الماضي وتحديدا منذ إعلان البندقية عام 1977 الذي تحدثت فيه أوروبا للمرة الأولى عن حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. الفلسطينيون يبدون عاجزين هذه الأيام عن الإصغاء لشاعرهم محمود درويش وهو يصرخ في قصيدته الطويلة مديح الظل العالي: «حاصر حصارك لا مفر».
لقد كانوا محاصرين في بيروت لكنهم كانوا يحاصرون حصارهم عبر تعاطف دولي وأوروبي خصوصاً، أما اليوم فإنهم يشكون انحياز العالم وأوروبا للموقف الإسرائيلي، فما الذي تغير؟. لقد تغير الكثير حقا منذ أن شاءت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الانعطاف عن منجزات النضال الفلسطيني لا بقصد تطويرها بل الارتداد عليها كليا.
لقد خرج الفلسطينيون من بيروت، لكن لم تمض ستة أعوام إلا وكان ثقل النضال الفلسطيني بأكمله ينتقل من الخارج إلى الداخل (وهذه إحدى النتائج الايجابية التاريخية غير المنظورة لاجتياح لبنان) مع اندلاع الانتفاضة الأولى في ديسمبر 1987. كانت الانتفاضة ذروة أخرى لنضال الشعب الفلسطيني، ومأثرتها الأولى أنها وللمرة الأولى حشرت إسرائيل في الزاوية أمام العالم وأظهرت الصراع في شكله وتفسيره الأبسط: «إسرائيل دولة محتلة والفلسطينيون يناضلون من اجل الاستقلال وجلاء الاحتلال». لقد أنهت الانتفاضة كل الخرافات التي هيمنت بها الدعاية الإسرائيلية على العالم عن دولة تسعى للسلام وجيران يتربصون بها، وبدلا من حق إسرائيل في الوجود أصبح السؤال إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.
لم يفقد الموقف الفلسطيني زخم التأييد الدولي وكان الموقف الأوروبي حجر الزاوية في هذا الموقف المتعاطف دوليا، وكانت الانتفاضة الأولى خطوة على الطريق الصحيح تاريخيا لأنها قلبت المعادلة السابقة من مقاتلين خارج الحدود إلى شعب ينتفض من اجل الحرية على أرضه وداخل حدوده.
غير أن الانعطاف جاء مع هذا التجاهل الذي أبدته (حماس) في موقفها من العالم. فهي في سبيل تثبيت مواقعها، لم تكتف بتجاهل ارث النضال الفلسطيني ومكتسباته فحسب لان مؤسسته الجامعة (منظمة التحرير) أصبحت مترهلة ويتآكلها الفساد، بل إن اتخاذ موقف عدائي من أولئك الذين ظلوا يدعمون الشعب الفلسطيني ويدعمون منظمة التحرير وفتحوا ممثليات للمنظمة على أراضيها أوصل الشعب الفلسطيني اليوم إلى عزلة غير مسبوقة. عزلة تأتي على النقيض من مسار تاريخي كان يراكم وبمثابرة تأييدا دوليا للموقف الفلسطيني أصبح يمثل حصارا سياسيا حقيقيا على إسرائيل لثلاثة عقود على الأقل.
ترى كيف كانت ستصبح عليه أوضاع منظمة التحرير لو أن (حماس) شاركت فيها منذ الثمانينات؟ كانت ستكون أفضل لو أن الجميع امتلك في ذلك الوقت رؤية واضحة تقوم على فهم حركة التاريخ باعتبار أن المنظمة في الثمانينات كانت تمثل حالة متطورة عنها في الستينات مثلا عندما انطلقت وفي السبعينات الملتهبة أيضا. والمشاركة والنضال من داخل المنظمة كان سيحكم مسار العلاقات بين فصائلها بشكل أكثر فعالية ووضوحا من البرامج السرية أو يوتوبيات الايديولوجيا. وبمقياس التاريخ، كان التطوير ومراكمة المكتسبات من داخل المنظمة مهمة ستكون أيسر من فرض الحقائق على الأرض.
تاريخيا، كانت (حماس) تتحرك على نحو مغاير، نحو إعادة تعريف نضال بدأ منذ أوائل القرن العشرين الماضي، ومن منظور تاريخي محض كان هذا يمثل ارتدادا على ذلك المسار لا تأسيسا عليه ولا تطويرا له.
هذا هو الفارق الذي تستثيره مصادفة تاريخية بليغة: لحظة حصار ولفتة تعاطف رمزية قامت بها دولة ظلت تدعم الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية، أما اليوم فان الشكوك باتت تحيط بهذا التعاطف والدعم الذي تآكل. فهل يكفي لوم غرب شيطاني لا يكف عن التآمر ضدنا أم أن علينا أن نتوقف قليلا لنرى حدود مسؤوليتنا عن فقدان هذا التعاطف والوصول إلى مثل هذه العزلة؟
لقد ابتكر الغرب والأميركيون تحديداً مفهوماً روجوا له بقوة للإرهاب. ولم تفعل حماس سوى مساعدته (جهلا) على ترسيخ هذا المفهوم. مفهوم يساوي النضال من أجل التحرر بالإرهاب الأعمى وقتل المدنيين. ولم تفعل إسرائيل سوى أن دفعت حماس دفعا في طريقها ذاك لكي تظفر بالنهاية بهدف طالما سعت إلى تحقيقه طيلة عقود: أن يصبح النضال الفلسطيني رديفا للإرهاب. فيما خص الأوروبيون هنا، فقد ظلوا يميزون بوضوح بين كلا المفهومين وينأون بالنضال الفلسطيني عن التعريف الإسرائيلي الأميركي، لكن ذلك لم يدم طويلاً.
ابتلعت حماس الطعم الإسرائيلي في سعيها لتكريس نفسها وظلت توالي في عملياتها دون أدنى اكتراث للتكتيك الإسرائيلي ولتبعات خياراتها الخطرة. تضرب حماس فتقوم إسرائيل بضرب السلطة إلى أن دمرت بنيتها وشلت حركة عرفات بحصاره في المقاطعة إلى أن سممته وقضت عليه. وعندما التفتت إلى (حماس) وضربت قادتها فهمت حماس الرسالة، لكن الوقت كان قد تأخر كثيراً.
كاتب بحريني