ظن الإسرائيليون، أن تشكيل حركة حماس للحكومة سيحول دون استئناف المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني، واعتقدوا أن نقطة ضعف حماس، هي وجودها في الحكومة. وبالتالي سيكون حرص حماس على الحكومة، أكثر من حرصها على استئناف المقاومة المشروعة.
عملية أسر الجندي الإسرائيلي، أتت لتقول، أنها متشبثة بالثوابت الفلسطينية بالمقاومة الباسلة وإن شكلت حماس تلك الحكومة، وبالتالي لا يمكن أن تقف موقف المتفرج والصامت على الجرائم اليومية ، ضد الشعب الفلسطيني. ومن هنا فالذين يقولون بأن هذا العدوان الصهيوني على الأراضي الفلسطينية، كان نتيجة أسر الجندي الإسرائيلي..فهم مخطئون.
فقبل بضعة أسابيع من هذه العملية، كانت عملية اغتيال عائلة الطفلة هدى على شاطئ ورمال غزة، واغتيال مجموعة من القياديين الفلسطينيين. وعمليات اغتيالات كثيرة من أطفال ونساء، وكانت كلها سابقة لعملية أسر الجندي، التي هي عملية عسكرية بحتة، ولم تطل مدنيين، وفق التعريفات السائدة، سواء كانت بمفاهيم الأمم المتحدة، أو بمفاهيم الإدارة الأميركية، أو حتى بمفاهيم العدو الصهيوني نفسه.
والمسألة الأخرى هو أن أسر هذا الجندي الذي يحمل الجنسية الفرنسية، والذي تذكَره جاك شيراك فجأة، لم يكن يخدم في الجيش الفرنسي وانما يخدم في جيش الاحتلال الإسرائيلي ولم يكن موجودا على أرض فرنسية، وإنما اسر على الأرض الفلسطينية وهو في موقع متقدم لضرب الشعب الفلسطيني. لهذا.. عملية أسر الجندي هي عملية مشروعة قانونيا وسياسيا.
من هنا ردة الفعل الصهيوني.. وكانت ردة فعل مبالغ فيها، ردة تتجاوز أسر هذا الجندي وتتجاوز هذه العملية... وتأتي لعدة أهداف أصبحت واضحة للعيان، وهي استهداف الحكومة الفلسطينية، المنتخبة ديمقراطيا وشعبيا، وتأليب الرأي العام الفلسطيني على تلك الحكومة من خلال التصعيد.. ومن عدة خطوط، الحصار الحالي والفوضى الأمنية وإثارتها في الشارع الفلسطيني.
لذلك نرى أن العملية أضافت شيئا جديدا للعدو، وهي أنه يريد استثمارها للإطاحة بحكومة حماس، عبر اختطافهم واعتقالهم للوزراء والنواب الفلسطينيين عند ذلك سيكون هناك نزاع واستثمار هذا الموضوع في ضرب البنية التحتية للأراضي الفلسطينية.
الذي يجري الآن هو عملية بطش واسعة إسرائيلية طالت مختلف نواحي الحياة، هي حملة ضد كل أبناء الشعب الفلسطيني دون استثناء. عمليات قصف متواصلة.. تجمع بين القصف الحقيقي، أو، القصف الصوتي الذي يستهدف خلق رعب واسع بين الشعب الفلسطيني وخاصة الأطفال. وهذا شكل من أشكال الإرهاب النفسي، الذي تمارسه دولة الإرهاب. هذه الاعتداءات لا تكسر إرادة الشعب الصامد في بيت لاهيا، أو بيت حانون، أو، في رفح ونابلس وجنين.
إن الوقاحة الإسرائيلية وصلت، إلى دخول جنودها إلى المستشفيات والاعتداء على المرضى والثكالى والأطفال.. وردة الفعل على هذه الجرائم القذرة، كانت أروع في المجلس التشريعي الفلسطيني وهي إعلان الوحدة والتكاتف، بعد الاتفاق الوطني بين جميع الكتل البرلمانية على منح الحكومة الفلسطينية .
.المظلة والأمان والثقة، وعدم قبول أي مشروع لنزع الثقة عن الحكومة المنتخبة ديمقراطيا..ردة الفعل الفلسطيني هي وحدة وتكاتف وهذا يقود إلى أن هذا العدوان الشرس، يجري بعد الاتفاق على وثيقة الوفاق الوطني التي يمكن من خلالها أن تفتح الطريق لقيام حكومة وحدة وطنية، وفتح برنامج سياسي مشترك بين كافة القوى الفلسطينية.
وهذا إنجاز غير مسبوق.. وإنجاز لم يحدث منذ عشرين عاما. لذلك نرى شراسة هذا العدوان الذي كان يراهن على انقسام في الصف الفلسطيني.. وأن الفلسطينيين سيقتتلون مع بعضهم البعض، وراهن على حدوث حرب أهلية.. والآن يرون وحدة وطنية راسخة... وهذا ما يفسر شراسة تلك الهجمة. وهو تأكيد قاطع على فشل سياسة إسرائيل، بتطبيق خطط أحادية الجانب. وبالتالي هي محاولة أخرى لفرض الرواية الإسرائيلية على حقيقة الصراع الجاري.
هناك حرص كبير من جميع الأطراف الفلسطينية على استثمار أسر الجندي الإسرائيلي لمصلحة وقف العدوان، ولمصلحة كسر الحصار عن الشعب الفلسطيني، ولمصلحة الإفراج عن الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين. ولسان حال الشعب يقول لا تطلقوا سراحه..الا بعد الإفراج عن أكبر عدد من الأسرى والمعتقلين في السجون الفلسطينية. على مبدأ « ليشربوا من ذات الكأس».