تستمر إسرائيل في استثمار حادثة أسر أحد جنودها إلى آخر مدى، وها هي تعيد احتلال شمال قطاع غزة في إطار العدوان الشامل الذي تشنه حالياً على القطاع بدعوى محاولة فك أسر الجندي، وهي تقول إن المقاومة اعتادت إطلاق الصواريخ من تلك المنطقة الشمالية في قطاع ومن ثم فقد أعطت الضوء الأخصر لاحتلالها.

وكانت تلقت أصلاً ضوءاً أخضر من الدول الكبرى لشن كامل هذا العدوان المتواصل منذ أكثر من أسبوع. وتحاول إسرائيل الظهور بمظهر المدافعة عن نفسها وهي ترتكب أكثر الاعتداءات فظاعة، متجاوزة عن عمد الحقائق المتعلقة بأنها قوة محتلة وأنها تمارس أبشع أنواع التنكيل بالشعب الفلسطيني من تقتيل وحصار وتضييق على الانتقال حتى في المساحة المتبقية من أراضيه التي لم تحتلها بعد.

وهي لا تكتفي بذلك بل تؤلب أعضاء نافذين في المجتمع الدولي ضد هذا الشعب وحكومته.. وتعود إسرائيل إلى غزة بعد أن خرجت منها في أعقاب 38 عاماً من الاحتلال، وجاء خروجها العام الماضي بعد أن أيقنت أنها لا تستطيع الاحتفاظ بمنطقة تسبب قلقاً دائماً لها ومقاومة لا قبل لها بمواجهتها، وهكذا فقد وازنت بين الخسائر والمكاسب لتخرج في نهاية المطاف من غزة.

لكنها بقيت خارجها لتمارس عليها حصاراً من خلال التحكم في المعابر وما يرد خلالها من احتياجات غذائية ودوائية للشعب الفلسطيني.. وستجد إسرائيل أن عليها في هذه العودة الثانية لقطاع غزة أن تواجه ربّما بمقاومة أكثر شراسة من سابقتها التي أجبرتها على الخروج من القطاع، وليس أمامها خيار، مع استمرار تعنتها الحالي وصلفها، غير هذه المواجهة.

ويتعيّن على الذين يؤيدون إسرائيل ويسيرون وراء مبرراتها العدوانية أن يتوقفوا للحظة أمام هذا الجنون العدواني ويتأملوا في الدرجة البالغة من التدهور التي ألحقتها لسياسات الإسرائيلية بمحاولات السلام، وكيف أن نهجها العدواني يدمر أي مبادرة للسلام وكيف أنهم ذاتهم يشوهون صورتهم من خلال هذا التأييد لدولة عدوانية تحتل أرض الآخرين وتحاول إسكاتهم لمجرد أنهم يسعون إلى تخليص أرضهم من الاحتلال.

إن العالم كله يدفع تكلفة باهظة بسبب هذا التجاهل المستمر لتصرفات دولية عدوانية حمقاء تدفع بها أنانيتها إلى التصرف بتعالٍ وعنجهية بسبب تفوقها التسليحي وبسبب هذا التأييد من دول يفترض أنها كبرى.