ليس من المبالغة في شيء القول بأن الاوضاع في الأراضي العربية المحتلة بوجه خاص وفي المنطقة بوجه عام تمر بتطورات شديدة الخطر والدقة كذلك وعلى نحو يجعل كل الاحتمالات مطروحة بكل ما قد يترتب على ذلك من نتائج .
واذا كانت اسرائيل قد عمدت خلال الفترة الاخيرة وقبل اختطاف الجندي جلعاد شليت الى تصعيد ضغوطها على الفلسطينيين من خلال العودة الى عمليات التصفية الجسدية واجتياح المدن والقرى الفلسطينية بشكل متكرر مع استمرار عمليات اغلاق المعابر وفرض الحصار على الفلسطينيين بما يزيد من معاناتهم اليومية ، فإن اختطاف الجندي الاسرائيلي استخدمته اسرائيل كمبرر وكمدخل لإطلاق جحافلها وآلتها العسكرية المجنونة لتعيث فسادا وتدميرا واقتحاما للمدن الفلسطينية دون وازع او ضمير.
ومع الوضع في الاعتبار ان اسرائيل تملك من عناصر القوة المسلحة ما يمكنها من فرض الحصار والاغلاق واغتيال من تقرر اغتياله من القيادات الفلسطينية الا ان الامر لا يمكن حسابه من منطق اختلال ميزان القوة على الارض فقط لان هناك العديد من العناصر الاخرى التي لابد من وضعها في الاعتبار ومسألة اختطاف الجندي الاسرائيلي تعكس ذلك في جانب منها على الاقل .
ومن هنا تحديدا فإنه من الخطر والخطورة اطلاق العنان للقوة الغاشمة لأن هذه القوة وان كانت تستطيع السيطرة على مناطق من الارض او تدميرها الا انها لا تستطيع ان تحل مشكلة معقدة او تتوصل الى توافق يحقق المصلحة لكل الاطراف . ومن هنا فإنه من الضروري النظر الى الاوضاع والتطورات في الاراضي الفلسطينية من خلال منظور واسع وعادل وقادر ايضا على تجاوز مأزق الفعل ورد الفعل الذي تمارسه كل الاطراف بعصبية وقصر نظر شديد .
ومع التأكيد على ان هناك قواعد قانونية لابد من الالتزام بها حتى في حالة الاحتلال الاسرائيلي ومن كل الاطراف ايضا فانه من المهم والضروري العمل على تهدئة الاوضاع في الاراضي الفلسطينية واستمرار التفاوض لاطلاق سراح الجندي الاسرائيلي وكذلك اطلاق سراح الوزراء والنواب الفلسطينيين الذين اختطفتهم اسرائيل وغيرهم من الاسرى الفلسطينيين لأن التصعيد يحمل في طياته نتائج قد لا يمكن السيطرة عليها في الفترة القادمة .
من جانب آخر فإنه ليس مصادفة على اي نحو ان يختفي الحديث الآن في الاراضي الفلسطينية عن الحوار الفلسطيني وعن وثيقة الاسرى والاستفتاء وحتى العودة الى الاوضاع الى كانت قائمة قبل التصعيد الاخير.
ولعل السؤال هو لصالح من كل ما يجري على الارض في غزة والضفة الغربية ؟ نعم شعرت اسرائيل بالقلق من ان ينجح الفلسطينيون في التوصل الى توافق بين حماس وفتح وبالتالي ابطال حجتها في عدم وجود شريك فلسطيني للتفاوض معها وكانت تبحث عن مبرر ولكن من اعطاها هذا المبرر ومن قدم لها الفرصة لأن تقوم بما تقوم به وهو مستنكر ومرفوض بكل المعايير؟ قد لا يفهم الكثيرون ما يشعر به الفلسطينيون من حنق وخيبة امل امام الدعوات الكثيرة التي انطلقت بعد اختطاف الجندي الاسرائيلي في حين لا تمتد معظم هذه الدعوات الى المطالبة باطلاق سراح الاسرى الفلسطينيين من الوزراء والنواب الذين لا يمكن التعامل معهم على النحو الذي تمارسه اسرائيل، ولكن الواقع هو ان هناك من الفلسطينيين من يهيئ الفرص لاسرائيل لتقوم بما تريد القيام به وبأقل قدر من الحرج لاسرائيل على المستوى الدولي.
فبعد اطلاق الصاروخ الفلسطيني الذي سقط على مدينة عسقلان الاسرائيلية بدأت اسرائيل في انشاء منطقة امنية في شمال غزة وهو ما يعني مصادرة المزيد من الاراضي وتخريبها والسيطرة عليها وإرباك الفلسطينيين بشكل اكبر.
اما الدعوات الاسرائيلية لاغتيال قيادات حركة حماس والاستمرار في محاولة اعتقال المزيد من الوزراء والنواب الفلسطينيين فإنه لا يعدو ان يكون استمرارا للسير في خطوات تصعيد لن تؤدي سوى الى وضع المنطقة والاستقرار فيها على حافة هاوية لا يعلم احد اين ولا كيف تتوقف. ولذا لابد من وقف هذا التصعيد الذي يحفل بالكثير من جرائم الحرب التي يعاقب عليها القانون الدولي الانساني.