بعد أن أصمت آذاننا كثرة الكلام الغربي في أميركا وأوروبا عن الديمقراطية وضرورة الإصلاحات في العالم الإسلامي في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، كدنا نصدق ونصفق بل وانتظمت الرحلات وشد الرحال إلى ديار الغرب استلهاما منه في مجال الحريات النافقة وطلبا للتعاون من أجل تلك القيم الكونية الضرورية التي أقنعنا الغرب بأنها منه وإليه بينما الإسلام سبق أن أعلنها وأقرها وطبقها في مراحل عزه منذ فجر الدعوة إلى اليوم، بل كان المسلمون هم أول من أنقذوا التراث الإغريقي في العلوم والفلسفة من الضياع.

ثم جاءت الانتخابات الفلسطينية النزيهة تحت مراقبتهم وبحضور نواب عن الغرب الذين شهدوا شهادة حق وعدل على أن الشعب اختار ممثليه بكل أمانة وحرية ولم يسجل حادث تزوير واحد. ولكن فوجئنا بالولايات المتحدة وتبعها الاتحاد الأوروبي يعلنان وقف المساعدة الطفيفة التي تمنحها شعوبهم للشعب الفلسطيني بمقتضى مواثيق مبصوم عليها بالعشرة أصابع! والسبب عرفناه فذهب العجب،

وهو أن الشعب الفلسطيني أخطأ الاختيار وأن صناديق الاقتراع لم تكن المعيار للديمقراطية وأن الماكينة الإصلاحية لم تعمل كما توقع الغرب. وكان الموقف الغربي غير حضاري ومناقض لكل ما يدعيه الغرب من تقاليد عريقة في احترام إرادة الأمم، كأنما أصبحت إرادة الأمم مقيدة بشروط مصالح إسرائيل وحماتها.

عجيب ورب الكعبة! لقد كنا نعتقد بسذاجة لا نحسد عليها بأن الشعوب كما قال الفلاسفة الغربيون هي مصدر السلطة وهذا ما صار لفلسطين حين انحاز مواطنوها الأحرار إلى كوكبة من الوطنيين من أبناء فلسطين لتحميلهم أمانة الحكم. لقد كنا نعتقد بأن الغرب الديمقراطي سيقف سدا منيعا ضد الاحتيال على إرادة الشعوب

ويناصر قرارها ويساند خيارها لا أن تهدد القوى الغربية بقطع أرزاق الذين اختاروا نوابهم عن طواعية وطبقوا بالحرف تعاليم الغرب الديمقراطي! فجاء جزاؤهم التجويع من الغرب والترويع من إسرائيل أداة قمع الغرب ويده الطولى! والغرب يرى ويسمع ويتابع ولا حياة لمن تنادي!

وفي الملف النووي الإيراني نجد بأن القوى العنصرية لا تريد أن يمتلك شعب مسلم أسباب مناعته السلمية ولا أن يخصب اليورانيوم ولا أن يصوت لأحمدي نجاد! وبدأت الآلة النفسية تتحرك بإيعاز من المنظرين للحرب على الإسلام والمسلمين لتجند طاقات الغرب ومحميته الإسرائيلية استعدادا لحرب جديدة في الشرق الأوسط ضد إيران تحت شعارات واهية ومردودة، مما ستحدث عنه كوارث غير مأمونة لكل المنطقة وعلى جميع الأصعدة.

ومن جهة أخرى تتحرك اللوبيات العنصرية في وسائل الإعلام المتصهينة واليمينية المتطرفة لتنذر الرأي العام العالمي مما تسميه مغبة الخيار الديمقراطي والحريات لو انخرطت فيها الأمة الإسلامية. فنحن في نظر هذه اللوبيات الشريرة أمة خلقت للخضوع والركوع والجوع لا للحرية والهوية والشرعية! أمة يريدونها في مستوى الأنعام والدواب محرومة من نفس الحقوق التي يمنحونها هم لأنفسهم ويستكثرونها علينا كأننا قوم من القاصرين غير الراشدين!

وتمكنت من القرار الغربي توجهات استعمارية سوغت العودة للاستعمار بأشكاله المعدلة حين اقترع البرلمان الفرنسي مثلا على قانون يمجد الاستعمار يوم 23 فبراير 2005 ثم قام الرئيس شيراك بإلغاء ذلك القانون المارق بعد أن تحرك الوطنيون والمؤرخون الفرنسيون وأحرار السياسيين للتنديد بهذا الإقرار الرسمي بايجابيات الاستعمار وأفضاله علينا نحن قدماء الشعوب المولى عليها بقوة الحديد والنار.

ونحن نحيي بادرة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة حين رفض التوقيع على نص معاهدة التعاون والصداقة التي عرضها عليه وزير الخارجية الفرنسي دوست بلازي، وجاء في تبرير الرئيس الجزائري أن فرنسا يجب أن تراجع ذاكرتها وتقرأ تاريخها الاستعماري وتتعامل بكياسة وعدل مع المواطنين الجزائريين الذين يطلبون تأشيرات لزيارة فرنسا.

ومن الأخطاء ما كان صرح به الرئيس الفرنسي من أن الشعوب العربية ليس لها من الحقوق سوى الأكل والعلاج والسكن، أي أن العرب ليس لهم سوى نفس حقوق الدواجن والبهائم، وأثار كلامه ذاك ردود فعل قاسية ومنددة في فرنسا وبين شرفاء الفرنسيين من مختلف التوجهات.

إن ما يجري في العراق اليوم من إنكار للإخفاق لهو عين الانزلاق أكثر فأكثر في المستنقع بلا أي أفق سياسي مقبول ولا أي حل سلمي معقول، ما دام المحتلون يتغنون بفضائل الديمقراطية متجاهلين أن صناديق الاقتراع أقل عددا من جثث القتلى الأبرياء وأن الانتخابات دارت فوق برك من الدماء!

ليعول العرب على أنفسهم عوض انتظار بركات الغرب وليصلحوا شؤونهم بطاقاتهم الذاتية فهم قادرون وأكفاء ولديهم في رصيدهم الحضاري وتاريخ فكرهم السياسي ما يضمن لهم التوفيق لو قرأوا تراثهم العظيم بعيون الواثقين الأحرار ولو تخلوا عن التذيل وعقد استنقاص الذات، ويعلم الله أني لا أدعو للمواجهة وحرب الحضارات بل للوقوف أمام الغرب وقفة الند للند للحوار وتبادل الخبرات لا لتلقي الأوامر والتعليمات.

ـ كاتب تونسي

alqadidi@hotmail.com