يتحدث قادة الغرب كثيراً عن أسلحة الدمار الشامل من كيميائية أو بيولوجية أو حتى ذرية. وهم يخشون من أن يتوصل إليها قادة الحركات المتطرفة ويستخدموها ضد عواصمهم وشعوبهم فيدمروا مدينة بأسرها أو جزءاً كبيراً منها. ويحق لقادة الغرب أن يخافوا على باريس، ولندن، ونيويورك، وروما، وبرلين، .. الخ، يحق لهم أن يحموا شعوبهم وحضاراتهم المترفة، الناعمة، التي لا مثيل لها في التاريخ.

ولكن هل فكروا لحظة واحدة في سلاح آخر للدمار الشامل، سلاح فتاك لا أحد يتحدث عنه؟ وأقصد به الفقر المدقع الذي يصيب شرائح واسعة من سكان العالم الثالث أو ما يدعونهم ببلدان الجنوب حالياً ويقتل منهم عشرات الملايين سنوياً.

أكتب هذا الكلام بعد أن أمضيت أسبوعين في واحد من أجمل بلدان العالم العربي: المغرب، وقد رأيت فيه الكثير من الحريات الديمقراطية والتسامح والعمل من أجل التعددية الفكرية والسياسية، وهي تعددية تتجلى في الصحافة اليومية التي تعبر عن مختلف التيارات ووجهات النظر: من ليبرالية، وأصولية، واشتراكية وعربية، وبربرية،

نعم لقد أعجبت بتجربة التعددية هذه وتمنيت لو أنها تنتقل إلى الشرق أيضاً فننتهي من هيمنة الحزب الواحد والرأي الأوحد على المجتمع، اتركوا المجتمع يتنفس، اتركوه يعيش حياته الطبيعية، يعبر عن نفسه، عن أعماق أعماقه كما يفعل المغرب في تجربته الديمقراطية الوليدة،

في كل يوم كنت اشتري منذ الصباح الباكر صحافة الأصوليين وأعداء الأصوليين في ذات الوقت واستمتع بالسجال الحاصل بشكل مباشر أو غير مباشر بين الطرفين، ويا ليت المشرق ينقل إليه أيضاً تجربة المصالحة والإنصاف التي دشنها المغرب لطي صفحة الماضي الأليم بين السلطة والمعارضة.

ولكني رأيت شيئاً آخر أيضاً، رأيت الفقر والجوع في عيون الكثيرين، رأيته في عيون النساء والأطفال وحتى الشباب الذين يشبهون الكهول لأنهم شاخوا قبل الأوان، وجرحني ذلك وأصابني في العمق، وأعتقد أن الشيء ذاته موجود في معظم الدول العربية وبخاصة تلك التي تعاني من انفجار سكاني كبير ولا تمتلك موارد بترولية لتدعيم ميزانيتها، وقد سمعت من بعض المطلعين أن الملك محمد السادس قرر الانخراط في مشروع ضخم للتنمية الشاملة من أجل تقليص نسبة الفقر في البلاد، ونرجو له التوفيق في ذلك.

ثم عدت إلى باريس وسمعت وزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست بلازي يصف الجوع المنتشر بكثرة في بلدان إفريقيا بأنه سلاح دمار شامل بالفعل. لم أكد أصدق عيني أو أذني عندما سمعت النبأ، وقلت بيني وبين نفسي: أخيراً اعترف أحد وزراء الدول الكبرى والغنية بأن الجوع كافر وأنه يشكل فضيحة للعالم كله وبخاصة للدول الحضارية، الغنية، الشبعانة إلى حد التخمة.

ماذا ينتظر العالم المتحضر والمترف لكي يساعد دول الجنوب على تقليص مساحات الفقر والجوع؟ وهل يمكن التحدث عن وجود حضارة إنسانية في الغرب إذا كانوا يسكتون على كل هذا الجوع الذي يهين الكرامة الإنسانية؟ لنترك الإحصائيات تتكلم ولنتخل عن الكلام العمومي أو حتى المجاني.

تقول هذه الأرقام الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة ما يلي: أكثر من ثلاثين مليون شخص ماتوا من الجوع عام 1998، وهو نفس الرقم الذي يتكرر كل عام، ومن بينهم قسم لا يستهان به من العرب سواء في السودان أو موريتانيا أو الصومال أو سواها. وبالمناسبة فإن الكثيرين في موريتانيا مهددون بالجوع في هذه اللحظة بالذات كما سمعت من نشرات الأخبار. فأين هم أغنياء العرب؟

وهناك حوالي ثمانمئة مليون أو أكثر ممن يعانون من سوء التغذية ويقفون على حافة الجوع الكافر أو القاتل، أليس هذا سلاح دمار شامل بل وأكثر من شامل؟ وهل يمكن للقنبلة الذرية أن تدمر أكثر من عشرة ملايين شخص مثلاً؟ هل يمكن للأسلحة البيولوجية والعنقودية والكيميائية أن تقتل كل هذه الملايين التي يحصدها الجوع سنوياً؟ أين هو ضمير الغرب الذي يتبجح بالحريات وحقوق الإنسان صباح مساء؟ وهل استيقظ أخيراً كما يوحي به تصريح وزير خارجية فرنسا؟ نرجو ذلك. ولكننا ننتظر أعمالاً فعلية لا أقوالاً لفظية.

إنه لعار على الحضارة الحديثة أن تبقى مكتوفة الأيدي أمام مجزرة هائلة كهذه، وهل يمكننا التحدث عن وجود حضارة إنسانية كونية في ظل هذه الوقائع المجحفة؟ إن من يكتب هذا الكلام ليس أصولياً معادياً للحضارة الغربية وإنما هو أحد المدافعين عنها وعن إنجازاتها التي لا تقدر بثمن. ولكن لم يعد ممكناً السكوت على مثل هذا الوضع، فإما أن تعمم الحضارة نفسها لكي تشمل جميع شعوب الأرض، وإما أن تظل متقوقعة على ذاتها بكل أنانية وأثرة.

أتذكر أني عندما قابلت الفيلسوف الفرنسي من أصل يوناني (كورنيليوس كاستوريا ديس) قال لي: لا يمكن لوضع العالم أن يستمر على هذا النحو: غنى فاحش في جهة، وفقر مدقع أو مجاعة في جهة أخرى. العالم سوف ينفجر إذا لم يتغير النظام الاقتصادي والسياسي الحالي.

هناك ثمانمئة مليون مترف في أوروبا وأميركا الشمالية في جهة، وهناك بقية العالم في جهة أخرى إذا ما استثنينا اليابان وبعض الآخرين. هناك مليار شبعان وخمسة مليارات جائعون أو شبه جائعين. وبالتالي فالعالم مختل التوازن. وهناك يكمن أكبر خطر يهدده.

أما المفكر السويسري جان زيغلير فيشن حرباً شعواء على الفقر في العالم ومنذ سنوات طويلة. ويصب جام غضبه على بوش وشارون أو أولمرت الذي يدمر الفلسطينيين حالياً وكذلك على بوتين وبقية قادة العالم المتغطرس، مثلما يحمل بكل قوة على القاعدة وقادة الحركات الأصولية المتطرفة. وهو يعتبر أن التطرف في كلتا الجهتين هو سبب خراب العالم أو اختلال توازنه. ولكن القضاء على التطرف الأصولي الذي يهدد العالم المتحضر بإلقاء أسلحة الدمار الشامل على عواصمه الكبرى لا يمكن أن ينجح

إلا إذا قبل الغرب ـ وبخاصة بوش وصقور واشنطن ـ بأن يقضوا على أكبر سلاح للدمار الشامل: أي الفقر والجوع. فالحلول الأمنية أو البوليسية أو العسكرية لا تكفي لاجتثاث ظاهرة الإرهاب أو القضاء عليها، وإنما ينبغي أن يعالجوا الجذور العميقة التي تؤدي إلى هذا الإرهاب بالذات. هنا يكمن الخلل الكبير في السياسة المتبعة حالياً من قبل الغرب. فهو يريد أن يقضي على الظاهرة دون أن يعالج جذورها أو أسبابها!

ولهذا السبب فإن جان زيغلير يصف الإمبراطورية الأميركية في عهد بوش بأنها «إمبراطورية العار لأنها تسكت على اجتياح الجيش الإسرائيلي للفلسطينيين كما تسكت على اجتياح الفقر لمناطق شاسعة واسعة من جنوب شرق آسيا وأميركا اللاتينية وإفريقيا السوداء على وجه الخصوص». وبالتالي فنحن بحاجة إلى عولمة ذات وجه إنساني لا عولمة متوحشة لا تبالي بآلام البشر وعذابهم الذي لا يطاق.

إذ أقول هذا الكلام فإني لا أعفي حكومات الجنوب من المسؤولية ولا أسقط كل شيء على الغرب. فأسباب المجاعات والتهميش داخلية بقدر ما هي خارجية. ونحن مسؤولون عما يحصل لنا ومطالبون بتغيير عقليتنا وسلوكنا إذا ما أردنا أن ننهض ونتقدم ونقضي على الفقر والجوع والجهل والمرض في بلداننا.

والحركات الأصولية مسؤولة عن هذا الوضع المتأزم الذي وصلنا إليه والذي جعل العالم كله يكرهنا ويسكت عما ترتكبه إسرائيل من أعمال مرعبة في حق الفلسطينيين. فلم يعد أحد يتعاطف معنا، بل وذهبت قضية فلسطين ضحية كل ذلك.

كاتب سوري

باريس