الدوائر السياسية الإسرائيلية وآلة التضليل الإعلامي الصهيونية سواء في تل أبيب أو في واشنطن، تحاول الترويج للعدوان المشترك الجاري تنفيذه حاليا، ضد الأراضي الفلسطينية وعلى الأجواء السورية، وتسويق أهدافه زوراً على أنه عملية إنسانية و رد فعل طبيعي للإفراج عن الجندي الصهيوني المسكين الذي اختطفه (المعتدون الإرهابيون الأشرار) وإعادته إلى أهله وبيته على حد تعبير الخارجية الإسرائيلية!.
وإذا كان هذا المنطق صحيحا، فالعرب أيضا يريدون إطلاق العشرة آلاف أسير فلسطيني وعربي الذين اختطفهم ( المعتدون الإرهابيون الأشرار) وإعادتهم إلى بيوتهم وأهليهم، فهل بهذا المنطق يصبح من حق الشعب العربي أن يطالب القادة العرب بواجب حشد الجيوش العربية والإسلامية والتهديد باجتياح فلسطين المحتلة للإفراج عن الأسرى والمختطفين في السجون الإسرائيلية ؟
وهل سيكون موقف العواصم العالمية والعربية التي تطالب حماس الآن هو ذات الموقف بمطالبة إسرائيل بإطلاق العشرة آلاف أسير عربي ؟.. وهل سترى واشنطن أن هذا حق مشروع للعرب لأنه «دفاع عن النفس» ؟ ..أم ستبادر إلى شن الغارات الجوية العدوانية وإطلاق المئات من صواريخ الكروز والتوماهوك من القواعد الأميركية لتفريق تلك الحشود العسكرية العربية ؟.
وهل في هذه الحالة يمكن أن يقف المندوب السوري أو الفلسطيني في مجلس الأمن يهدد أميركا بغطرسة ويحملها المسؤولية برعايتها للإرهاب، لأنها تستضيف قيادات ومقر المنظمة الصهيونية العالمية التي شجعت عصابات الإرهاب الصهيونية الشهيرة بتهجير السكان واغتصاب الأرض واختطاف كل شعب فلسطين؟
وحينما تسعى إسرائيل إلى تحريك عواصم العالم الحر وغير الحر، الغربية والشرقية لتجعل من موضوع هذا الجندي الأسير لدى المقاومة الفلسطينية المشروعة ذريعة لتبرير ذلك العدوان ضد فلسطين وسوريا، ومع أن ذلك يمثل قلبا للقواعد القانونية المشروعة والمتعارف عليها بين دول العالم وتزويرا للحقائق الموضوعية لمكونات المشهد العدواني، وانتهاكا للقانون الدولي ولاتفاقيات جنيف الخاصة بحماية المدنيين تحت الاحتلال ووقت الحرب،
باعتبار أن العقاب الجماعي ضد السكان الفلسطينيين جريمة حرب، طبقا لما أعلنته العاصمة السويسرية «جنيف»، واعتداء سافر على سيادة الدولة السورية كما تقرره مواثيق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي. فإن الحكاية المزورة التي تروجها تل أبيب وواشنطن وتنطلي على بعض العواصم في الغرب،
وتكاد تنطلي على بعض الطيبين في عالمنا العربي، وعلى بعض العواصم في الشرق خصوصاً بعد زيارة وزيرة الخارجية الإسرائيلية إلى موسكو طلبا لوساطتها، تقدم للعالم صورة مقلوبة يصبح معها المعتدي مظلوماً، والمعتدى عليه ظالماً، والإرهابي مدافعا، والمقاوم إرهابيا، والقاتل بريئا، والقتيل مجرماً!
وهو فضلاً عن كونه دليلاً واضحاً على أن من يملك القوة في هذا العالم يمكنه فرض منطق القوة ولو كان ظالماً، ورفض قوة المنطق ولو كان عادلا، يبدو دليلا آخر على قصور السياسة العربية في صناعة القوة العربية التي لا مدخل لها إلا باتحاد عربي وتكامل إسلامي يمكنها من فرض قوة المنطق، منطق الحق والعدل، ورفض منطق القوة ،منطق القبول بالاحتلال والاستسلام للأمر الواقع الناتج عن الضعف، تطبيقا لبديهية بسيطة تقول «الاتحاد قوة، والتفرق ضعف».
والحكاية المزورة التي تحاول الأجهزة الصهيونية والأميركية السياسية والإعلامية ترويجها في النهاية، كذب واضح يضاعف دور الإعلام العربي لكشفه بالحقائق، وتلفيق قانوني يمكن تفنيده، وقلب للصورة بما يجعل الحق يبدو سائرا على رأسه فيما يبدو الباطل كمن يسير على قدمين.
ولأنه لا مجال هنا لمرافعات قانونية وافية، والحوار إعلامي شامل أو إلى سجال سياسي عميق، فإنه يكفي التأكيد الآن أن هذا العدوان بوضوح مشاهده، وبتتابع فصوله ليس هدفه الأساسي إطلاق الأسير بقدر ما هو غطاؤه أو ذريعته، تنفيذا لتخطيط سبق العملية الفدائية كخطة بديلة في حالة فشل المراهنة الإسرائيلية على انزلاق فتح وحماس إلى الاقتتال الأهلي بدلا من الاتفاق الوطني،
هروبا من استحقاقات إسرائيلية سياسية تفرض عليها استئناف المفاوضات حول الوضع النهائي مع الشريك الشرعي الفلسطيني، بوحدة الفصائل على وثيقة الوفاق الوطني، وبما يحبط خطة «أولمرت» الأحادية الجانب التي هي امتداد لنهج «شارون» فالهدف الحقيقي لهذا العدوان هو تقويض السلطة الوطنية ككل.
mamdoh77t@hotmail.com