لا تاريخ يركز عليه الليبراليون الجدد في العالم العربي سوى ذلك التاريخ الذي يتعلق بالولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل. فأحداث سبتمبر 2001، من وجهة نظرهم، هى بداية لمرحلة جديدة في التاريخ البشري المعاصر، مرحلة فارقة في حركة التاريخ، مثلها في ذلك مثل أحداث بيرل هاربور ودخول أميركا الحرب إلى جانب الحلفاء.

وكما يتوحد الليبراليون الجدد بالتاريخ الأميركي، ليصبح قبلتهم وبوصلة توجههم، فإنهم أيضا يتوحدون بالخطاب الأميركي ذاته، يرددون مقولاته ويترنمون بمعتقداته. إضافة إلى ذلك فإنهم يتوحدون بالخطاب الصهيوني الإسرائيلي، يلتفون حول مزاعمه بدون أن يقفوا منها موقفا نقديا، ناهيك عن أن يكون موقفا هجوميا حادا.

لماذا يتوحد الليبراليون الجدد بالخطاب الأميركي؟ ولماذا يخشون مهاجمة العدو الصهيوني الإسرائيلي في المنطقة العربية؟ ولماذا يجدون هواهم في التوحد بأميركا وإسرائيل؟ ولماذا يهاجمون دولا عربية بعينها، ويحددون لأنفسهم خطوطا حمراء بالنسبة لغيرها من الدول العربية الأخرى؟

معظم الليبراليين الجدد هم من حملة الجنسيات المزدوجة، حيث تأتي الجنسية الأميركية على قمة هذه الجنسيات بما تكفله لحاملها من هيمنة وتنفذ على الآخرين. وكما ذكرنا في مرات سابقة، فإنه لا غضاضة من أن يحمل المرء جنسيتين أو ثلاث أو أربع، فهذا من أخص حقوق الإنسان الشخصية التي كفلتها له التشريعات والدساتير الدولية.

لكن المهم هنا الإشارة إلى أن الحصول على جنسية ما لا يجب أن يرتبط بالنيل من الوطن الأم وتحقيره وتسفيهه، وفي أحيان كثيرة الإنتقام منه. إضافة إلى ذلك، هناك فرق كبير بين من يكتوي بنار الحاضر العربي المعاش اقتصاديا وسياسيا، وفي الوقت نفسه ينقده ويشاكسه ويعاركه ويشتبك معه، ويواجه سلطات ديكتاتورية قابعة على كراسيها منذ أزمنة طويلة،

ويدفع في الكثير من الأحيان ثمنا باهظا لهذه المواجهة، وبين هذا الذي لا يرى وطنه إلا في المناسبات ومن خلال المؤتمرات والندوات والدعوات الرسمية التي يتلقاها من هنا ومن هناك، إضافة إلى الحماية التي يكفلها له جواز السفر الأميركي، والتي تفرض على السلطات المتنفذة في العالم العربي احترامه وتبجيله.

من هنا يمكن القول بأن الليبراليين الجدد لا بد وأن يتوحدوا بأميركا؛ فهي بالنسبة لهم الوطن الجديد النظيف الغني الذي منحهم الثروة والعيش الكريم، كما منحهم المكانة التي يمكن القول بأنهم لم يحصلوا عليها في أوطانهم الأم. وينطبق هذا الموقف بدرجة كبيرة من الصحة على العديد من أبناء الأقليات العربية المهاجرة، المسيحية بالأساس، التي وجدت في الفضاء الأميركي ما لم تجده أو تحصل عليه في الوطن الأم.

واللافت للنظر هنا أنه رغم المكانات المتميزة التي حصل عليها العديد من المهاجرين إلى أميركا فإنهم يصرون على النظر مرة أخرى إلى أوطانهم التي هاجروا منها، يكتبون عنها، ويتناولونها وينتقدونها ويحقرون من شأنها. بل إن اللافت للنظر أيضا أنهم لا يوجهون أقلامهم نحو الوطن الأميركي الجديد، وهو محط حياتهم وحياة أبنائهم وأحفادهم،

مع أن الوطن الأميركي مليء بالعديد من المشكلات مثل انتشار الجريمة والعنف والمخدرات والدعارة وارتفاع نسبة الأطفال غير الشرعيين وتدهور برامج الرعاية الاجتماعية وانتشار الفقر والتمييز العنصري ضد الأقلية السوداء والمهاجرين اللاتين وضد العرب والمسلمين...إلخ مما لا يتسع المجال لحصره هنا.

لا يستطيع هؤلاء المهاجرون نقد أميركا ومهاجمتها، من يستطيع ذلك هم أصحاب الوطن ذاتهم، الأميركيون البيض. فأميركا ليست بلد التسامح والحرية والليبرالية كما يروج الليبراليون الجدد ليل نهار، فهناك العديد من الإنتهاكات العنصرية ضد السود وضد المهاجرين مما لا يذكره أو يتحدث عنه هؤلاء الليبراليون. بل إن تاريخ أميركا ذاته،

كما تاريخ إسرائيل العنصرية هو تاريخ إبادة الآخر وقتله وتدميره، فكيف يتحول تاريخ النشأة الدموي هذا بجرة قلم إلى تاريخ أبيض ليبرالي. يتجاهل الليبراليون الجدد كل هذه التواريخ الدموية، وكل هذا الواقع الأميركي القمعي، ويوجهون سهامهم نحو العرب والمسلمين، مما يتوحد مع الخطاب الأميركي،

ويتلاقي معه، ويرضي السادة القابعين في البيت الأبيض في الوقت نفسه. فحينما يرى أحد الليبراليون الجدد أنه لا يوجد في بلاد المسلمين ''سوى قتل وإرهاب وعراق مدمر ودارفور متخلف وانتهاك لحقوق الإنسان وأخيرا وليس آخرا تدريب الصبية الصغار على الإرهاب'' فإنه لا يرى إلا ما يراه سادته في البيت الأبيض، ولا يردد سوى ما يقولونه، ويحبون أن يسمعونه.

لا يسطيع الليبراليون الجدد اكتساب مكانتهم إلا على حساب أوطانهم التي هاجروا منها، فلن يحاسبهم أحد ولن تواجههم أية عواقب وهم في حمى الجنسية الأميركية والبيت الأبيض. يصبح الوطن الأم هنا هدفا سهلا لتحقيق عدة أهداف دفعة واحدة، فمن ناحية يمكن نقده بسهولة ويسر والنيل منه ومن تراثه ومقدساته وتاريخه وحضارته، ومن ناحية ثانية يمكن من خلال هذا النقد تعظيم الفوائد المادية والمعنوية لدى الآخر الأميركي، ومن ناحية ثالثة يمكن أيضا تعظيم الفوائد المادية بالأساس لدى بعض الدول العربية المتنفذة.

وإذا كان المرء لا يجد نقدا موجها لأميركا من قبل الليبراليين الجدد على سلوكياتها في المنطقة العربية، وانحيازها المطلق نحو إسرائيل، فإن الأمر يتجاوز ذلك إلى دعوة أميركا وحضها على غزو المنطقة والعمل على سيادة القيم الديمقراطية في العالم العربي.

يقول أحد هؤلاء الليبراليون الجدد داعيا أميركا لتحريرنا من العبودية التي نحياها ''فجر الحرية العربية والديمقراطية العربية التي انتظرناها أربعة عشر قرنا من الزمان لتأتي على ظهر جمل عربي أو على ظهر حصان عربي بالدفوف وبالتي هى أحسن ولم تأت،

فاضطررنا بعد انتظار طويل إلى إحضارها على أجنحة صواريخ الكروز والتوماهوك، حيث لم تعد تفل كلمات الأحرار حديد العبيد، وإذا حديد البعيد هو من يفل حديد العبيد في العالم العربي للأسف الشديد.'' ولا يعلم المرء هنا لماذا يتأسف هذا الكاتب الذي لا يهمه العالم العربي من قريب أو من بعيد وهو محمى بأسوار البيت الأبيض، ورحابة السيدة رايس، وكرم السيد رامسفيلد.

وحينما يقول آخر مشيدا بالأميركي في عيد استقلاله، قائلا أنه، أى الأميركي ''يكفيه فخرا أنه أنقذ البشرية من شرور النازية والفاشية والشيوعية وأسقط نظام طالبان الظلامي ونظام صدام حسين الوحشي، وقريبا سنرى جيش التحرير الاميركي سيسحق نظام الملالي في إيران ونظام عصابة البعث في سوريا وذيولهما من الحركات الإرهابية'' ندرك مدى التشفي وحجم الإنتقام الذي وصل إليه هؤلاء الليبراليون الجدد في تعاملهم مع المنطقة العربية التي رحلوا عنها وتركوها.

هكذا أصبح الأميركيون صناع الحضارة والتقدم في العالم، أما تواريخهم الدموية في فيتنام وكوريا وتشيلي والمكسيك والعراق وفلسطين وغيرها من العديد من دول العالم فهى التواريخ المنسية التي يهملها هؤلاء الليبراليون الجدد. يقلب الليبراليون الجدد الحقائق رأسا على عقب في سبيل إرضاء صانع القرار الأميركي من ناحية وتعظيم منافعهم من ناحية أخرى. فجرائم الحرب الأميركية في العراق وأفغانستان يتم التغاضي عنها،

حيث يتحدث الليبراليون الجدد عن الديمقراطية الوليدة المنتظرة التي تمنحنا مثالا يحتذي لدول المنطقة القابعة في أسر العبودية. لا يقف الأمر عند هذا الحد لكنه يتجاوزه إلى التهديد والتخويف المستمر من قبل الليبراليين الجدد باستدعاء أميركا ودعوتها بغزو المزيد من الدول العربية التي لا تقبل التغيير وفق أجندة هؤلاء الليبراليين، أو وفق أجندة أسيادهم في البيت الأبيض.

يتوحد الليبراليون الجدد مع الخطاب الأميركي كما يتوحدون في الوقت نفسه مع الخطاب الصهيوني الإسرائيلي، فما يرضي إسرائيل يرضي أميركا ويبعث البهجة في نفوس هؤلاء الليبراليين الجدد. فلا يتحدث هؤلاء من قريب أو بعيد عن عمليات الإبادة العنصرية الدموية ضد الفلسطينيين، ويخلطون في ذلك الأمر بين المقاومة الفلسطينية الضعيفة وبين عداون وإجرام الدولة العبرية.

لا يتحدث أحد منهم عن آلاف الأسرى في السجون الإسرائيلية، وعن قتل الحوامل والأطفال وكبار السن، لا يتحدث أحد منهم عن برنامج الإغتيالات المنظم ضد نشطاء المقاومة الفلسطينية، فقط ينقدون حماس والمقاومة، ولحية هنية، وإطلاق الصورايخ على المستعمرات الصهيونية.

في أحدث المقالات التي كتبها أحد هؤلاء الليبراليون المقيمون في الولايات المتحدة الأميركية، يتحدث بكل أدب واحترام إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي، يخاطبه بالسيد الرئيس، ويتفهم مشاعره، التي لا أشك لحظة واحدة أنها أهم لديه من مشاعر الأمة العربية التي هاجر منها وتركها. والأمر اللافت للنظر هنا أننا لا نجد هذا الأدب الجم في مقالاته التي يتناول فيها الإخوان المسلمين أو حركة حماس أو حتى وادي النيل الذي خرج من بين ترابه ومن بين جنبات صعيده الذي دائما ما يتشدق به ويشير إليه.

مع أسف إن الليبراليين الجدد يجدون أنه من السهل عبر خطاباتهم المختلفة أن يتوحدوا بالمتسلط والغالب على حساب المقهور والمغلوب، فسهل بالنسبة لهم أن ينقدوا أوطانهم وتواريخم ومقدساتهم ولغاتهم، لكنه من الصعوبة بمكان بالنسبة لهم أن ينقدوا أميركا أو إسرائيل أو بعض المتنفذين في المنطقة العربية، هنا سوف يدفعون أثمانا غالية ويتكبدون مخاطر هائلة، وهم لم يدفعوا أي ثمن أو يتكبدوا أي مخاطر في الماضي أو في الحاضر كما في المستقبل.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com