هل سيأتي الغيث من الغرب هذه المرة، من سواحل الأطلسي، من موريتانيا بلد المليون شاعر، البلد الذي أقبل في الشهور الأخيرة على إصلاح سياسي قد يصبح نموذجا يحتذى به في الوطن العربي والدول النامية، ما حدث ويحدث في موريتانيا هذه الأيام يبشر بالخير ويوحي بأنه إذا توّفرت الإرادة والنية والعزيمة الصادقة فكل شيء ممكن.
انقلاب ولد فال في موريتانيا يختلف عن غيره لأنه لم يأت لتغيير حاكم بحاكم وإبقاء الأوضاع على حالها، الأمر هذه المرة جاء ليس من أجل السطو على السلطة وإنما من أجل إعادة هذه السلطة لصاحبها الشرعي ألا وهو الشعب. ففي الوقت الذي تحاول فيه بعض الأنظمة العربية إجراء تعديلات على الدستور من أجل جعل ولاية الرئيس بدون حدود ولا قيود وعلى مدى الحياة،
وفي الوقت الذي جعلت بعض الأنظمة من نفسها جمهوريات وراثية وأعتبر بعض الرؤساء أنهم وٌلدوا ليحكموا وللأبد هم وأولادهم، نرى أن ضباط الجيش في موريتانيا أطاحوا بالرئيس من أجل تصفية الأجواء وتنقيتها وتهيئة المناخ لانطلاقة جديدة في تاريخ موريتانيا المعاصر.
عوّدتنا كواليس ومنابر السياسة العربية وممارستها خلال عقود من الزمن على التشبث بالكرسي والسلطة وتعديل وتغيير الدساتير من أجل تمديد ولايات الحكم واستبدال بعض البنود فيها وتفصيل مواد أخرى حسب مقاسات بعض الحكام والمتشبثين بالكرسي وبالسلطة.
كما عودتنا بعض الانقلابات العسكرية على تبديل حاكم بحاكم آخر أكثر دكتاتورية وفساداً. فعادة ما يخلف الحاكم المخلوع حاكم همه الوحيد هو الاستحواذ على السلطة والانفراد بها حيث يتفنن الحاكم الجديد في ثقافة وسياسة الإقصاء وفي التخلص من أقرب وأعز أصدقائه وأقاربه.
ثقافة «الجمهوريات الملكية» أو «الجمهورية الوراثية» في العالم العربي أفرزت فجوة كبيرة بين القمة والقاعدة وأدت إلى نفاق سياسي لا مثيل له الأمر الذي جعل الآلة السياسية لا تعمل وفق الأصول والمبادئ التي يقوم عليها الحكم الرشيد المبني على الديمقراطية والشفافية وسلطة الشعب والرأي العام ومشاركة الشعب في صناعة القرار وتحديد مصيره بنفسه ناهيك عن الاستغلال الأمثل للموارد المادية والبشرية التي ينعم بها المجتمع.
التناوب على السلطة ثقافة وحضارة وسلوك يؤمن به الجميع ابتداء من الخلية الأولى في المجتمع وهي الأسرة إلى المؤسسة إلى المجتمع المدني وصولا إلى أعلى هرم في السلطة في المجتمع. التناوب على السلطة سلوك حضاري يقوم على الاعتراف بالآخر ومشاركته الحوار والنقاش والرأي من أجل المصلحة العامة والمجتمع برمته وليس من أجل حفنة من الانتهازيين والوصوليين.
ثقافة إقصاء الآخر ثقافة تتعارض جملة وتفصيلا مع مبدأ الديمقراطية والاختلاف في الرأي وتقوم أساسا على أن الطرف المستحوذ على الحكم والسلطة والنفوذ يعرف كل شيء وعنده كل الحلول وهو الأحسن والأجدر بالحكم والقيادة والسلطة أما الآخرون فإنهم لا يفقهون شيئا.
أما النفاق السياسي والاجتماعي والرأي العام المزيف فهي مظاهر تعكس إفلاس العمل السياسي وقيامه على الشعارات الجوفاء وعلى الوعود التي تبقى على الورق، وعلى ثقافة تقوم على الأقوال وليس الأفعال وأناس لا يؤمنون بما يقولون وهمهم الوحيد هو تحقيق مصالحهم الضيقة على حساب الأمة بأسرها.
ما حدث وما يحدث في موريتانيا هذه الأيام يشير إلى ثقافة جديدة في العمل السياسي والممارسة السياسية في دولة عاشت الانقلابات العسكرية وعاشت الانفراد بالحكم لفترات زمنية طويلة. موريتانيا تعيش إصلاحا سياسيا يعد بالكثير، يعد بزوال ثقافة الاستحواذ على السلطة والتشبث بها، ثقافة تهميش الجماهير وتجريدهم من حقوقهم الطبيعية.
هذه المرة تعيش موريتانيا نموذجا جديدا من انتقال السلطة حيث أن الجماعة التي ثارت على الحكم وقامت بالانقلاب العسكري منعت على نفسها السلطة والترشح للرئاسيات في مارس المقبل. الرئيس الموريتاني الانتقالي علي ولد محمد فال منع على نفسه وعلى جماعته الترشح لمنصب الرئيس انطلاقا من قناعته أنه قام بالانقلاب على ولد الطايع ليس طمعا في السلطة وإنما بهدف القضاء على الفساد وتحضير الجو المناسب لانتخابات رئاسية نزيهة وشفافة وديمقراطية، يترشح فيها كل من توفرت فيه الشروط المنصوص عليها في الدستور.
وهذا ما جعل القيادة الانتقالية في موريتانيا تقوم بتعديل الدستور وتحديد مدة حكم الرئيس في ولايتين فقط لا أكثر، وتكون مدة كل ولاية خمس سنوات الأمر الذي يكرس مبدأ التداول على السلطة في أرض الواقع. النموذج الموريتاني الجديد أكد النية الصادقة للجماعة التي تريد تغيير الحكم وتصفية الأجواء وتنقيتها لفتح المجال للديمقراطية وللممارسة السياسية النزيهة والنظيفة
ولإعطاء الفرصة للشعب الموريتاني لينعم بخيرات بلده في جو من الإدارة الفعالة والحكم الرشيد. النموذج الموريتاني يقوم على التسامح حيث إنه لم يحظر أي من الأحزاب القديمة بما فيها الحزب الحاكم السابق الذي أعطيت له الفرصة لتنظيم نفسه وإعادة بناء صفوفه للدخول في المعترك السياسي كغيره من المتنافسين على السلطة.
اللافت للنظر في ما يدور في موريتانيا هو النية السليمة والشريفة والواضحة للمجموعة العسكرية التي أطاحت بولد الطايع. فالهدف هنا ليس السلطة والحكم والامتيازات والغنائم كما يراها البعض وكما عودتنا الانقلابات العسكرية وعمليات الإطاحة بالحكام والرؤساء، وإنما ظهرت النية جلية واضحة في أن الهدف هو تنقية الأجواء وتصفيتها من أجل إرجاع السلطة للشعب الموريتاني من خلال الاقتراع المباشر على من يرأس البلاد.
النموذج الموريتاني، الذي يعتبر في مرحلته الجنينية جاء ليؤسس قاعدة دستورية واضحة المعالم في تحديد التداول على السلطة واعتماد مبدأ الحوار والنقاش ونبذ ثقافة إقصاء الآخر وثقافة الترهيب والتخويف والحجز والسجن وما إلى ذلك.
الاستفتاء التاريخي الأخير في موريتانيا على تعديل الدستور أعطى البعد الديمقراطي ومبدأ التناوب على السلطة في النظام السياسي الموريتاني حيث أصبح هذا الدستور مقدسا يحترمه الجميع لأن الجميع (77%) شارك في الاستفتاء وأن الغالبية العظمى (96%) صوتت بنعم.
كما نص الدستور على أن أي تعديل في المستقبل يجب أن يحظى بموافقة مختلف المجالس المنتخبة سواء كانت على مستوى البرلمان أو البلدية أو غير ذلك، وهذا لمنع وإيقاف أية محاولة غير شريفة وغير نزيهة وغير ديمقراطية من شأنها أن تقضي على الإنجازات التي حققتها جماعة ولد فال وتقضي على إنجازات الإصلاح السياسي والديمقراطية والحكم الرشيد.
هل يفلح ولد فال وجماعته حيث أخفق الآخرون ويؤكد للعالم العربي والعالم بأسره نجاحه في تسليم السلطة للشعب وليس الانقلاب على زميله الرئيس السابق ولد الطايع من أجل الاستحواذ على السلطة، أي تغيير ـ دكتاتور بدكتاتور آخر أو طاغية بطاغية آخر-؟ كل المؤشرات تتجه نحو الإنجاز التاريخي للقيادة العسكرية الموريتانية وللشعب الموريتاني على تخطي زمن الاستحواذ والانفراد بالسلطة وزمن الفساد السياسي ودخول عهد جديد عهد سلطة الشعب وسلطة الرأي العام والحكم الرشيد.
كلية الاتصال
جامعة الشارقة
