أعلنت إسرائيل أنها بصدد إقامة ما تسميه (منطقة أمنية عازلة) في شمال قطاع غزة تكون تحت سيطرة طيرانها ومدفعيتها لمنع الفلسطينيين من استخدام هذه المنطقة لاطلاق صواريخ على جنوب إسرائيل ، إضافة الى محاصرة بيت حانون وبيت لاهيا بهدف إقامة ممر يعزل البلدتين عن مدينة غزة عند الحاجة . وهذا الإعلان تصعيد خطير للممارسات الإرهابية الإسرائيلية الحالية ضد القطاع بهدف تجزئته وايجاد أمر واقع جديد على الأرض يكرس نيتها المبيتة على تحويل غزة والقطاع إلى كيانات صغيرة غير متصلة معزولة عن الاتصال والتواصل مثل كانتونات العزل العنصري التي كانت سائدة في جنوب أفريقيا .

وهذا التصعيد يحمل معه عدة تساؤلات حول مفهوم إسرائيل للأمن وكيفية تحقيقه ، وحول النوايا الحقيقية التي تتذرع - دائما - بدواعي الدفاع عن النفس ، وحول جدوى استخدام القوة المفرطة في حل المواقف . فلا أحد يختلف حول بديهية أن الأمن لا يتحقق إلا بسلام كامل شامل يحصل فيه كل طرف على حقوقه ، ومن ثم تتطور العلاقات بين أطراف النزاع إلى تطبيع من خلال النشاط التجاري والاستثمارات المشتركة التي تحقق مكاسب للطرفين ، واذا شعر أي طرف بأن حقوقه منتقصة ، فإن أي تهدئة أو تسوية لأزمة طارئة ستكون بمثابة وقف مؤقت لاطلاق النار وهدنة سرعان ما يتم خرقها عندما يطفو أي خلاف جديد على السطح ، وهو الأمر الذي تعلمه إسرائيل جيدا من تجاربها السابقة .

ومن البديهي - والحال كذلك - أن استخدام القوة المفرطة لن يؤدي الى نتائج ملموسة تحقق لإسرائيل حلمها بابتلاع أجزاء إضافية من الأراضي الفلسطينية ، وفرض الأمر الواقع بالقوة ، لكنه سوف يؤدي إلى مزيد من الصمود والتلاحم بين الفلسطينيين ، ويغذي نزعة الأخذ بالثأر عند بعض الفصائل ، وهكذا تستمر الأمور في دائرة مفرغة والخاسرون هم الإسرائيليون في المقام الأول ثم الفلسطينين لقد استمرت إسرائيل في انتهاج هذا الأسلوب طيلة الفترة الماضية ، ولا يمكن لأحد الادعاء أنه حقق أهدافها أو أسهم في احراز نجاحات تذكر على هذا الطريق .

إن استخدام القوة المفرطة ، والمنطقة العازلة المقرر إقامتها شمال غزة وعزل بيت حانون وبيت لاهيا ، إضافة إلى جدار الفصل العنصري العازل كلها محاولات إسرائيلية مستميتة لشق الصف الفلسطيني والسماح بظهور قيادات تقبل الاملاءات الإسرائيلية ، وإلا فان البديل الآخر هو أن تبادر بالتصرفات أحادية الجانب كعادتها ، فتضم ما تشاء من أراضي شمال الضفة كما أعلن ساستها وترسم حدودها النهائية بمعزل عن حقوق الفلسطينيين ، لكنها يجب أن تدرك أنها حتى لو تمكنت من هذا فلن يتحقق الأمن لشعبها .

وواضح للعيان أن الحصار الوحشي الحالي لقطاع غزة هو (حرب أولمرت) الذي لبس قميص (جلعاد) لتعزيز رصيده وفرصه في التصرف أحادي الجانب ، مثلما كانت (عناقيد الغضب) في قانا حربا خاصة لشيمون بيريز ولنفس الهدف . كما أن هذا الحصار محاولة مستميتة لكسر شوكة المقاومة الفلسطينية حتى لا تكرر عملية أسر جنود إسرائيليين والتفاوض على إطلاق سراحهم بشروط . وخلاصة القول أن الساحة السياسية في إسرائيل في حاجة إلى أصوات جديدة غير تقليدية ترى أن السلام هو المفتاح الوحيد للأمن ، وتدرك أن القوة ليست العامل الحاسم في تحقيق الأهداف ، وأن تفاوضا يؤدي إلى حل كل الملفات الساخنة هو الطريق الوحيد الذي يوفر الأمن والسلام والاستقرار للجميع .