قررت الحكومة الاسرائيلية المصغرة في اجتماع طارئ لها اقامة منطقة عازلة شمالي قطاع غزة وذلك بدعوى منع الفلسطينيين من اطلاق الصواريخ تجاه المواقع الاسرائيلية ولا سيما بعد سقوط احدها في مدينة عسقلان مما اعتبره رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت تطوراً خطيراً.

والمنطقة العازلة تعني تدمير كل ما فيها من مبان ومساكن ومزارع ومنع دخول اي انسان إليها، على أمل كاذب بان اجراء كهذا سيحقق نوعاً من الأمن للمدن والمواقع الاسرائيلية الجنوبية.

لقد جربت اسرائيل نموذج المنطقة العازلة في أكثر من حالة وأكثر من مرة. ولعل أبرز هذه النماذج كان في جنوب لبنان وتأسيس ما كان يعرف بجيش لبنان الجنوبي، وكانت النتيجة أن القوات الاسرائيلية تركت الجنوب اللبناني بسرعة أقرب الى الفرار وتركت عملاءها يواجهون مصيرهم الذي يستحقونه.

النماذج الأخرى كانت في قطاع غزة نفسه، فقد أقامت اسرائيل مناطق عازلة أكثر من مرة وآخرها كان لا يزال قائماً قبل التطورات الحالية، لكن ذلك لم يوقف اطلاق الصواريخ كما ان تدمير عدة منشآت بحجة مساهمتها ببناء الصواريخ لم يمنع تطوير انواع جديدة أبعد مدى مثل ذلك الذي وصل إلى عسقلان.

ان اسرائيل تسمح لنفسها بالاحتلال والاغتيالات والاعتقالات وتدمير المراكز والمواقع واختطاف النواب والوزراء وقادة التنظيمات الفلسطينية، وتتوقع ان يبارك الفلسطينيون والعالم خطواتها هذه، وتواصل اعتزازها بالقوة الظالمة المسيطرة، وتعتقد ان هذه القوة قادرة على تحقيق الأمن والاستقرار لها.

لقد أثبتت التجارب عبر التاريخ ان القوة وحدها لا تحقق أمناً ولا سلاماً ولا استقراراً، وان الضعيف لن يظل ضعيفاً والقوي لن يظل قوياً الى ما لا نهاية، وان الذي يحقق السلام والاستقرار والأمن هو العدل والتفاهم واقتناع كل طرف وقبوله بالطرف الآخر واستعداده للعيش معه والى جواره والتعاون معه لتحقيق الرخاء والتقدم والأمن والسلام وان المناطق العازلة بالصورة القائمة على القوة وحدها كما تريدها اسرائيل لن تكون سوى مناطق عازلة للتفاهم ومانعة لكل فرص تحقيق السلام ولن تؤدي سوى الى تعميق الخلافات وتعقيد سبل الحل.

لقد مد شعبنا الفلسطيني يديه للسلام وقدم فعلاً التنازلات المؤلمة والتاريخية في سبيل تحقيق هذا السلام، لكن اطماع التوسع الاسرائيلية في بناء المستوطنات وضم القدس ورفض العودة الى حدود 1967 ورفض مبادرة السلام العربية الشجاعة قد أدت بنا وقادتنا الى المأزق الحالي والى جدار الفصل وخطة الحل الأحادي الانطوائي، ولم تحقق أمناً ولا سلاماً ولا استقراراً للشعبين الفلسطيني - والاسرائيلي، ومات القائد الشجاع ياسر عرفات، أو قتل، وهو محاصر في المقاطعة بعد ان قدم أقصى ما يمكن ان يقدمه قائد في سبيل السلام ورفض بكل اباء قبول الاستسلام كما أرادت اسرائيل.

إن اصرار قادة اسرائيل على سياسة التوسع هذه وتجاهلهم المطلق لحقوق وتطلعات الشعب الفلسطيني وادارة الظهر للمجتمع والقوانين والشرائع الدولية هي وحدها أسباب ما يجري من معاناة وحروب وقلق، ولا حل بالقوة ولا حل بالتجاهل ولا حل بفرض حل أحادي انطوائي، وبالتأكيد لا حل بالمناطق العازلة والمعزولة عن كل منطق.