صَدق ما تنبأنا به في مقال سابق حول القانون الحاكم للحياة النيابية في الكويت، الذي يقضي بأن «وراء كل أربع عجاف يأتين أربع سمان» وهو القانون الذي شبهناه بقانون الجاذبية الأرضية في دقته وتواتره. فبعد المجلس الضعيف الذي انتخب في العام 2003 أتت نتائج هذه الانتخابات لتصب في صالح التيار الإصلاحي بتلاوينه المختلفة ولتقلل من قوة ونفوذ تيار نواب الخدمات الموالي للحكومة.
وقد عكست هذه النتيجة توجهات الشعب الكويتي الداعمة لتيار الإصلاح والذي ترى الأغلبية أنه يبدأ بتعديل الدوائر الانتخابية من وضعها الحالي، حيث تنقسم إلى خمس وعشرين دائرة صغيرة إلى دوائر خمس يكون فيها عدد الناخبين كبيراً، الأمر الذي يجعل من عملية نقل الأصوات عملية غير ذات جدوى ومن شرائها عملية صعبة. وكقراءة أولية يمكن رصد بعض الظواهر التي أفرزتها هذه الانتخابات، وهي على سبيل المثال وليس الحصر:
1- إن نسبة المشاركة العامة كانت 65% تقريباً، وهذه النسبة اقل بكثير من نسب المشاركة في الانتخابات السابقة، التي كانت تصل إلى 80% تقريباً. أما نسبة التغيير فقد بلغت 38% وهي أيضاً أقل من نسب التغيير في المرات السابقة.
ومع ذلك، فقد حقق الإصلاحيون فوزاً بارزاً في هذه الانتخابات، إذ ارتفع رصيدهم من 29 إلى 33 نائباً. وفي المقابل خسر بعض أبرز رموز نواب الخدمات مقاعدهم أو تراجعوا إلى المركز الثاني. وهذه النتيجة تدل على توق الكويتيين إلى الإصلاح وسعيهم إليه بقوة.
وقد استفادت الحركة الإسلامية من هذا الزخم الشعبي لترفع رصيدها من 13 مقعداً إلى 18 مقعداً، بالذات حركة الإخوان المسلمين التي زاد عدد أعضائها من 4 إلى 6 نواب. وهو ما يعكس ليس التوجه في الكويت فحسب، بل التوجه العام في المنطقة العربية والإسلامية.
2- عدم فوز المرأة بأي مقعد من مقاعد مجلس الأمة لأول انتخابات نيابية تشارك بها. فرغم بقاء 17 مرشحة في حلبة التنافس الانتخابي، إلا أن جميعهن فشلن في تحقيق أرقام ذات وزن، ناهيك عن فوزهن. فأعلى عدد من الأصوات حصلت عليها المرشحة رولا دشتي وهو 1539 بعيد عن تلك الأصوات التي حصل عليها المرشح الذي فاز بالمقعد الثاني في دائرتها وهو 4957 صوتاً.
وهذه ليست كل الصورة، إذ إن مشاركة المرأة لم تكن على المستوى المطلوب في عملية الانتخاب، فلم تتجاوز نسبة مشاركتها الخمس والثلاثين في المئة، وهذا هو سبب انخفاض النسبة العامة للمشاركة في الانتخابات هذه المرة.
والأدهى والأمر من ذلك هو أن غالبية اللواتي شاركن في الانتخابات إنما صوتن للرجال وليس لبنات جنسهن، وهن أيضاً منحن أصواتهن للجماعات الإسلامية التي طالما وقفت ضد حقوقهن السياسية!!
أما تفسير إخفاق المرأة الكويتية للوصول إلى سدة البرلمان، وتواضع مشاركتها في العملية الانتخابية ونمط اختياراتها، فنتركه لمقالة تالية، تكون قد توفرت المعلومات الكافية لكتابتها.
3- حصول بعض مرشحي المعارضة ـ إن جاز التعبير ـ من ذوي النبرة الحادة والخطاب المتشدد على أرقام قياسية، لم يكونوا يحصلوا عليها في الانتخابات العادية. فالنائب عادل الصرعاوي ( إسلامي مستقل ) حصل على المركز الأول محققاً 3108 أصوات وجاء الثاني وليد الطبطبائي (سلفي ) بـ 2740 صوتاً، ومن المعلوم أن الصرعاوي كان الثاني في الانتخابات السابقة.
وحقق المرشح مسلم البراك أعلى رقم في الكويت وهو 8095 صوتاً وجاء الثاني بفارق كبير عنه وهو 5541 صوتاً رغم أنه من النواب التسعة والعشرين. أما الأعجوبة فهو أحمد السعدون الذي حصل على 4970 صوتاً بفارق أكثر من ألف صوت عن المرشح الآخر وليحتفظ بكرسي النيابة منذ العام 1975 بشكل متواصل.
4- فشل المعمم الوحيد في مجلس الأمة الكويتي حسين القلاف في الاحتفاظ بمقعده في هذه الانتخابات وتراجع إلى المركز الرابع ووجود فارق ضخم في الأصوات بينه وبين الفائز الثاني المرشح عدنان عبدالصمد يفوق الألف صوت، رغم أن حسين القلاف كان الأول في ثلاث دورات برلمانية سابقة خاض اثنتين منها في الرميثية (1999 و2003 ) وواحدة في الدعية (1996 )، ورغم أن عدنان عبدالصمد قد انتقل لأول مرة لهذه الدائرة.
ولعل من أسباب فشل القلاف تصريحاته الأخيرة ضد منافسيه التي خرجت عما اعتاده أهل الكويت من ألفة ومحبة، وميله في الآونة الأخيرة للوقوف مع الحكومة أو بالأحرى غموض مواقفه ورماديتها.
ولاشك أن نتائج الانتخابات تلك تقتضي من النظام التفكير الجدي بشكل الحكومة المقبلة، بحيث تكون حكومة قوية مطعمة بشخصيات مشهود لها بالكفاءة والنزاهة ومقبولة من جميع التوجهات السياسية.
وأن تراعي في تركيبتها حجم القوى السياسية وتمثيلها التمثيل الحقيقي فضلاً عن إخماد الفتيل الذي أدى إلى إشعال الأزمة وهو موضوع الدوائر وإصلاحها ومحاربة الفساد، لتنطلق الكويت مرة أخرى على دروب التنمية والتقدم مستفيدة من العائدات الضخمة التي أخذت تجنيها بفعل ارتفاع أسعار النفط.
كاتب كويتي
alyusefi@hotmail.com