دخلت «أزمة غزة»، على ما يبدو، في لعبة العضّ على الأصابع، إسرائيل تريد وبغطرسة معهودة، أسيرها، بدون ثمن. بلا قيد ولا شرط. الجانب الفلسطيني حرص ومنذ البداية وبكل أطرافه، على التفاوض بشأنه. أكد على عدم المساس بحياته، وشدّد على الرغبة في العمل على إيجاد المخرج المناسب لقضيته.

حكومة أولمرت، في المقابل، حرصت على التعجيز وعلى الاكتفاء بعرض العضلات. ردّها اقتصر على تصعيد عدوانها ضد القطاع. هدّدت بالويل والثبور وعظائم الأمور. كل يوم تطلع بنغمة جديدة من الترهيب. من التلويح بخنق غزة، إلى «حرمان أهلها من النوم»، إلى إعطاء الضوء الأخضر لقواته كي «تجتاحها»، مروراً بتهديد سكانها بـ «إسقاط السماء على رؤوسهم»، وانتهاء بالتوعد بإنزال «الضربة القاضية» ضدهم.

واضح إذا انه حسم باتجاه الخيار العسكري، بالرغم ما يتردد عن استمرار المحاولات والمساعي للعثور على تسوية مقبولة، وهو قال صراحة، أول أمس، ان هذه «الحرب طويلة»، رافضاً التفاوض ومهدداً «بضرب الخاطفين ومرسليهم وكل من يأويهم ويصدر الأوامر لهم».

وفي كلامه إشارة لا تخطئ إلى ما وراء الحدود، وبالتالي إلى عدم استبعاد تفجير الوضع في المنطقة، أكثر مما هو متفجر، وبذلك يكون أولمرت قد حدّد ساحة المعركة وأدواتها، مع عزمه على استخدام جميع الخيارات المتاحة له، تحت غطاء وذريعة أن إسرائيل «لن ترضخ للابتزاز».

وكأن احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية امتياز، مطلوب احترامه.

في ضوء ذلك، وفي ضوء ظروف غزة المحاصرة وشبه المخنوقة والمستهدفة بالقوة النارية الإسرائيلية، على مدار الساعة، تبرز قضية دعمها كأولوية مستعجلة، لم تعد قابلة للانتظار، فالأوضاع الإنسانية هناك، في حالة صعبة. من حبّة الدواء إلى لقمة العيش ـ وما جرى ادخاله لا يزيد على الحاجة إلى سدّ الرمق ـ إلى الحاجات الضرورية والسكنية. ناهيك عن المخاطر الأمنية التي تهدد السكان والمسؤولين الذين وضعتهم إسرائيل على لوائح الاغتيال أو الملاحقة.

عجلة الحياة شبه متوقفة، وقد تصاب بالشلل التام. خاصة إذا ما تعرض القطاع للاجتياح الواسع، الذي توعد به أولمرت وعليه بات من الضروري، ليس فقط أن تستعجل عملية الدعم لصمود الفلسطينيين بل أن تتنوع أيضاً، بحيث تشمل التحركات والاتصالات المطلوبة بهدف فك الحصار والضغط على إسرائيل من أجل العودة إلى قنوات التفاوض بشأن الأسير.

والأجواء الدولية مساعدة وملائمة. الصيحات ضد الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، بدأت تتردد في أكثر من ساحة دولية، وربما كانت المطالبة بعقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب في مقر الجامعة العربية، هي البداية لحملة تسلط الأضواء على هذه العربدة الإسرائيلية وتكثّف الضغوط، عبر الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، الرامية إلى لجم هذا الانفلات العدواني.

ولابدّ هنا من التأكيد على شرط جوهري آخر يحتاج الفلسطينيون تحقيقه بأنفسهم: تعزيز وحدتهم الوطنية. فبقدر ما هو مطلوب لهم لدعم صمودهم، بقدر ما هم مطالبون بتكريس وحدتهم، واللحظة ناضجة لذلك عبر تشكيل حكومة وحدة وطنية. لم يعد من الجائز التأخر في إنجازها.