قد يبدو غريباً أن ننشغل بقضية وهموم الصحافيين، في لحظة مفصلية حاسمة من تاريخ الصراع العربي مع إسرائيل والحركة الصهيونية العالمية، إلا أن التزامن المريب وحد بين إحالة مشروع قانون حكومي جديد في مصر يقيد حرية الصحافيين ويكبل أقلامهم، والتصعيد العسكري المتمثل في إرهاب الكيان الصهيوني للشعب الفلسطيني، بهدف معلن هو استعادة الجندي الأسير خلال عملية «الوهم المتبدد» وآخر مضمر هو تقويض حكومة حماس وتدمير كل البنى التحتية.

وبدا الأمر على غير ما يرتجيه أي عاقل، يعي حقيقة إن قصف أقلام الصحافة الحرة يعني ببساطة إغلاق طاقة النور التي يطل منها الشعب وصناع قراره على العالم، ويتابعون احداثه كما هي في الحقيقة، وليس كما تريد بطانة السوء، أو جماعة الفساد والإفساد، التي تسمن وتتغذى على قوت المطحونين، وتمص دماءهم، وتصور جرائمها على أنها انجازات وتضحيات من اجل عيون ضحاياهم.

ومن نافلة القول، التذكير بحقيقة تندرج تحت لائحة البديهيات التاريخية، وتؤكد أن الصحافة الحرة مهما بلغت من القسوة في النقد، والجرأة في فتح الملفات المسكوت عنها والمحظور الاقتراب منها، فإنها تفيد الحاكم، أكثر من صاحب الجلالة قارئها، وهو الوحيد الذي من حقه أن يحكم حكماً غير قابل للاستئناف ببقاء الصحيفة أو موتها.

فالصحافة هي المرآة غير المحدبة أو المقعرة، أو المعتمة، بل الناصعة التي تعكس للمتابع حقيقة الجاري من أمور، يحرص آخرون على إخفائها، وتدق أجراس التحذير من أخطار تلوح في أفق الوطن، وتنبه الغافلين من مواطنيه وحكامه قبل أن يفوت الأوان، ولولا الصحافة الحرة لخسرت بلاد كثيرة معارك فاصلة أو أهدرت فرصاً لا يمكن تعويضها.

وتاريخنا حافل بأمثلة، من الحملة على الانتهازيين الذين تستروا وراء الشعارات الاشتراكية في حقبة الستينات من القرن الماضي، إلى الحملة على الجنرالات الذين استغلوا صعود نجم ثوار يوليو، واستباحوا نهب ثروة المجتمع والقطاع العام، إلى أروع حملة لفضح ومحاكمة المسؤولين عن هزيمة يونيو.

قد لايتسع المجال، للإحاطة بكل سجلات الصحافة الحرة في حربها ضد الفساد بكل أنواعه السياسية والاقتصادية والاخلاقية، بل أخطرها المتعلق بتدمير المناعة «الوطنية» ونشر فيروس الخضوع والإذعان لأعداء الأمة، فلولا بعض الأقلام الشريفة التي لم تخش في الحق غضبة احد، لما انكشف ستر «بارونات التطبيع مع إسرائيل» الذين دمروا الزراعة المصرية، وأنهكوا فلاحيها خصوصاً وكل مواطنيها عموماً بأمراض فتاكة جلبتها المبيدات الإسرائيلية المسرطنة.

وبفضل جرأة الصحافة، سيق لصوص البنوك المصرية إلى ساحات المحاكم ومازال كثيرون منهم على قائمة الانتظار، حين يأتي أوان حرق أوراقهم، أو سقوط غطاء الحماية المتاح لهم.

وحتى لاننسى، لولا يقظة صحافي حر في صحيفة «الوفد» الحزبية لما عرف احد بفضيحة تعسف مسؤولي وزارة التعليم مع التلميذة آلاء، التي تعمدوا حرمانها من الحصول على درجات التفوق الذي تستحقه، لمجرد أنها مارست حقاً أصيلاً، وأدت واجباً وفريضة غائبة عن مناهج التعليم، عندما انتقدت الرئيس الأميركي وحملته مسؤولية تدهور الاقتصاد والزراعة المصرية.

ولم يكتفوا بتحويل آلاء من جدول المتفوقين إلى خانة الراسبين، بل مارسوا معها مهمة «العسس» وأحالوها وولي أمرها إلى جهات أمنية للتحقيق، وكانت النتيجة الطبيعية في هذه الحالات هي ضياع مستقبل التلميذة، وربما تشريد أسرتها، وفتح ملفات أمنية لهم، تجعلهم من المشتبه بهم سياسياً.

وهى تعني معاملتهم بطريقة أقسى من عتاة المجرمين. لكن، عندما قامت الصحافة بدورها، أنقذت آلاء، ورد لها حقها، بقرار رئاسي، وانفتح ملف أخطاء وزارة التعليم، التي أدت إلى تدهور غير مسبوق في مستوى الخريجين، وبالتالي خرجت الجامعات المصرية من ساحة المنافسة العالمية، وأصبحت دون المستوى، بعد أن كانت تناطح اكبر واعرق جامعات العالم.

الخلاصة، أن الحملة على حرية الصحافة، لا تعني سوى تكميم الأفواه وتكبيل الأقلام، وإطفاء شعلة الحق، وإطلاق الحرية لغول الفساد ليمرح ويقضي على ما تبقى من رصيد وطني، وهو مجرد فتات لايسد رمق الجوعى لحرية الوطن ونهوضه.