شهدنا في الفترة الأخيرة تعرض العديد من الصحافيين العرب في أكثر من بلد عربي للاتهام والمحاكمة والتعرض للحبس بسبب قضايا نشر تركزت على نشر أخبار لشخصيات عامة بلا مستندات أو معلومات أكيدة تثبت صحتها، وفى الواقع لا إعلام بلا معلومات.

خصوصاً في عصر ثورة المعلومات ،ولا معلومات بدون تأكيد مبدأ حق الناس في أي مجتمع حر ان يعلموا كل الحقائق بشفافية فيما يتصل بالسياسات والممارسات الحكومية المؤثرة على واقعها ومستقبلها.

كما لا سياسات صحيحة وفي اتجاه مرغوب فيه إلا بتوفير كل الحقائق بدقة أمام الحكومات فيما يتصل باتجاهات الرأي العام وواقع وحجم القضايا التي تهم الناس.

وقد يمثل عدم حرية المعلومات مشكلة حقيقية أمام أجهزة الإعلام فلا تجد أمامها سوى المصادر غير الموثوقة ، أو تلجأ للتكهنات والاستنتاجات التي تكون أحيانا أقرب للشائعات ، أو أمام صانع القرار نفسه في التعامل مع قضايا الناس حين تتضارب المعلومات من المصادر المختلفة ، فكيف يمكن للمسؤول في مثل هذه الحالة اتخاذ القرار السليم؟

وإذا كان من حق الناس أن يعلموا ومن واجب الإعلام أن يُعلِم، وإذا كان من حق الحكومة أن تعلم ومن واجبها أن تقرر وفقاً لما تعلم تعبيراً عن اتجاه الرأي العام أو تأسيسا على حجم المشكلة المطلوب اتخاذ قرار لحلها ، فإن الوسيلة الموضوعية لذلك هي مؤسسات الإحصاء وإصدار المعلومات ومراكز بحوث الرأي العام باعتبارها ضرورة إعلامية وسياسية وثقافية في وقت واحد.

وإذا كانت ثقافة العصر السائد هي المعلوماتية والديمقراطية فإن سيادة هذه الثقافة في مجتمعات منطقتنا لا بد أن تدفع الجميع إلى اعتماد الشفافية، فإذا توفرت الحقائق والمعلومات بدقة للحاكم والمحكوم انطلاقا من مبدأ الحق في المعرفة..

وإذا توفرت للوسائل الإعلامية حرية الإعلام فإن من شأن ذلك إشاعة مناخ من المصداقية والثقة سواء بين الحاكم والمحكوم أو بين الداخل والخارج، ومن شأنها أيضا تشجيع المستثمرين والجهات الدولية في الإقبال على التعاون المشترك.

وإذا كان واقع الحال في مجتمعاتنا يجعل المعلومات والحقائق الكاملة غائبة في العادة عن أجهزة الإعلام وبالتالي عن الرأي العام وحاضرة في الغالب في يد الحكومة بحكم ما لديها من أجهزة جمع البيانات والمعلومات اللازمة لرسم السياسات وإصدار القرارات.

فإن تغييب هذه الحقائق عن الناس عدا طبعاً ما يمكن أن يمس الأمن الوطني لم يعد هو الاتجاه المرغوب فيه في عصر أصبحت أهم سماته هي المعلوماتية والشفافية فإن القوة التي تفرض التكتم على الممارسات الحكومية، هي في الحقيقة قوة تدمير لمصداقيتها.

كما يقول (رودني آي سمولا) أستاذ القانون بجامعة ريتشموند الأميركية، مما يتطلب من الدول العربية إدخال حق الهيئات ووسائل الإعلام في الحصول على المعلومات في صلب القانون باعتبار ذلك من مرتكزات الديمقراطية.

ولعلني أضيف هنا ان كثيراً من السياسات الخاطئة لبعض الحكومات أو غير المعبرة عن رغبات شعوبها إنما تنتج عن غياب الحقائق والمعلومات الصحيحة عن الحكومات أيضاً لغياب الوسائل المؤهلة للبحث والقياس العلمي لاتجاهات الرأي العام ، بل إن غياب مثل هذه المؤسسات يؤثر سلباً بدوره على متطلبات النهوض بالعمل الإعلامي والذي يجعل الصحافة وأجهزة الإعلام الأخرى تبدو في غياب المعلومات الدقيقة فاقدة للمصداقية في نظر الرأي العام.

إن ضعف دور العمل الإعلامي يرجع إلى غياب بَلْوَرَة واضحة لاتجاهات الرأي العام تجاه القضايا العامة والسياسات المختلفة الداخلية والخارجية ، وبالتالي تفقد بوصلتها في تحديد الاتجاه المعبر عن هذا الرأي العام.

وتعبير الرأي العام عن نفسه بوسائل موضوعية وشفافة وسلمية يجنب المجتمع أي نوع آخر من التعبير غير الملائم نتيجة كبته أو تغييبه وكلما سمح المجتمع بالتعبير السلمي للرأي العام عن نفسه كلما قلت احتمالات اللجوء إلى الوسائل غير السلمية أو غير السليمة للتعبير ، خصوصاً و أن كل الدساتير العربية تقريباً تنص على حق المواطنين في التفكير والتعبير السلمي بوسائله التي ينظمها القانون ويحميها الدستور.

mamdoh77t@hotmail.com