منذ أكثر من أسبوع وإسرائيل تطبق على أرض الواقع سياسات عدوانية تدميرية ذات طابع إجرامي ضد الشعب الفلسطيني الأعزل ومؤسساته وقياداته ونوابه البرلمانيين الذين وصلوا إلى مقاعد البرلمان الفلسطيني عبر انتخابات حرة ونزيهة كما هو الحال في الدول المتقدمة في الغرب والشرق.

فإسرائيل عبر جيش احتلالها الغاصب نسفت الجسور وسيطرت على المطار الذي دمرته قبل سنين، ودمرت محطات الكهرباء وفرضت الظلام على أجزاء كبيرة من قطاع غزة، ووزعت مناشير تطلب من الشعب الفلسطيني التحوط والحذر من ممارساتها الإرهابية، وحلقت فوق قصر الرئيس السوري بشار الأسد، واعتقلت سياسيين ونوابا من حركة حماس، كل هذه الإجراءات اتخذت تحت راية أنها تفعل ذلك فقط لإطلاق الجندي الأسير جلعاد شاليت.

وكلما حاول طرف في التفنن لإيجاد وسائل دبلوماسية لحل أزمة الأسير العسكري الإسرائيلي والإفراج عن آلاف الأسرى الفلسطينيين والعرب من النساء والأطفال والمناضلين القابعين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، بدا أن هذا الأمر دليل على فقدان الأفكار والنوايا الجادة والرغبة العارمة في إيجاد حل يرتكز على وجهة نظر شاملة تستند إلى الحكمة والمنطق.

والواضح أن إسرائيل تصر على الاستمرار في ممارسة ضغوطات كبيرة سواء على الزعامة السياسية في فلسطين من حركتي فتح وحماس أو على الشعب الفلسطيني كي يضغط على قيادته من أجل إطلاق الأسير الإسرائيلي دون تقديم أي تنازل مهما كان متواضعاً للشعب الفلسطيني. فإسرائيل عازمة على ما يبدو ألا تقدم على سابقة تعتبرها خطيرة في المسار الفلسطيني - الإسرائيلي، على غرار ما حصل في السابق عندما قدمت تنازلات لحزب الله اللبناني في مسألة الأسرى.

في الوقت ذاته تسعى إسرائيل لتصدير أزمتها إلى الخارج مدعية أن سبب المشكلة متواجد في دمشق وتحديدا عند رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل المتهم من قبل الحكومة الإسرائيلية بـ «الإرهاب والتطرف» وبموقفه المتشدد حيال مسألة الأسير الإسرائيلي.

وهنا نتساءل أليس هناك من يجرؤ على لجم العدوان الإسرائيلي الحالي لتطبيق القوانين والأعراف الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والأسرى؟ وهنا الحديث ليس حول السلام أو الأرض أو اللاجئين أو المياه أو الحدود أو قدس الأقداس. الحديث هنا حول حماية الشعب من ممارسات جيش احتلال تعدى وضرب عرض الحائط بكل القوانين والمعاهدات الدولية حول حماية الأسرى والشعب والمقدسات.

والجدير بالذكر أنه قبل يومين أعلنت الإدارة الأميركية عن محاكمة جندي أميركي اغتصب وقتل فتاة عراقية قبل سنة وقتل جميع أفراد أسرتها وقد يواجه هذا الجندي عقوبة الإعدام في حالة إدانته. إذاً حتى الدولة العظمى والأقوى في العالم تحاكم جنودها وإدارتها إذا ما اقتضى الأمر.

فهل الجنود الإسرائيليون والحكومة الإسرائيلية التي تطلب من جنودها ممارسة أقصى درجات العقاب ضد الشعب الفلسطيني ومؤسساته الدستورية من أجل جندي أسير وهي حكومة احتلال لديهم حصانة دولية منفردة لا يملكها أحد في الغرب ولا في الشرق؟!

وبالرغم من كل هذه الإجراءات الإجرامية لجيش الاحتلال الإسرائيلي ومن عدم اكتراث الحكومة الإسرائيلية للقوانين والأعراف الدولية تصدر أصواتاً هنا.

وهناك تقول ان احتفاظ الفلسطينيين بالجندي الإسرائيلي الأسير سيقود إلى هلاك الشعب الفلسطيني، متناسية هذه الأصوات للأسف الشديد أن أسر الجندي الإسرائيلي من قبل الفلسطينيين كان سببه العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة وقتل الأبرياء على شواطئها، كما أنها تهدف لتحرير النساء والأطفال من الأسرى الفلسطينيين.

إن الشعب الفلسطيني يؤكد للعالم من خلال صموده الجبار في قطاع غزة تحديداً أنه يمتلك إرادة الصمود، بل التحدي وأن الفلسطينيين هناك، المحاصرين والمحصورين بين صواريخ الطائرات وقذائف المدفعية الإسرائيلية إنهم في أرضهم ثابتون، وإنهم لن يستسلموا ولن يتخلوا عن حقهم في أن يكونوا (مواطنين) وأصحاب حق في دولة، ولو على قسم من أرضهم المغتصبة.

إن كل الذي فعلته وستفعله إسرائيل لن يجعل هذا الشعب الذي كتب ويكتب أروع الصفحات في تاريخ الجهاد ضد الاستعمار الاستيطاني الاستثنائي في تاريخ البشرية، يرفع يديه مستسلماً ومسلِّماً بمزيد من التنازلات، لأن التنازلات التي قدمت باسمه ضيّعت دماء شهدائه من دون أن تقرّبه من حقه المشروع في وطنه.

إن هذا الصمود الفلسطيني والتضحيات الجسيمة وضعت رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود اولمرت في مأزق سياسي، ذلك أن النقطة المركزية في برنامجه السياسي تكمن في تنفيذ خطته للانسحاب الأحادي الجانب من أجزاء من الضفة الغربية.

هذه الخطة التي تبدو الآن غير قابلة للتنفيذ ما لم ينجح اولمرت في تحرير الأسير العسكري دون تقديم تنازل واحد للشعب الفلسطيني. إنه الاختبار الكبير لرجل لم يكن في تاريخه عسكريا.

أولاً: إن اولمرت مطالب بأن يتخذ إجراءات دراماتيكية للخروج من المأزق، وإعلان نفسه في حالة حرب مع الإرهاب، على طريقة الرئيس الأميركي جورج بوش، ومن هنا فقد وصف عملية قتل جنديين إسرائيليين وأسر ثالث بأنها عملية إرهابية، مع أنها لم تستهدف مدنيين إسرائيليين. وهو بالتالي يسعى لتكرار نموذج ارييل شارون ليطرح نفسه كزعيم قادر على ملء الفراغ الذي حدث بعد غياب البلدوزر عن المسرح السياسي.

ثانياً: يهدف اختطاف حركة حماس من السلطة ودفعها إلى تسليم مفاتيح الحكم للرئيس محمود عباس وقد يكون اعتقال وزرائها ونوابها مقدمة لهذا الإقصاء العسكري الذي ستتلوه - بالتأكيد - إجراءات أخرى ترسخ لدى الفلسطينيين القناعة بأن استمرار حماس في السلطة سيكون بمثابة (لعنة) ستظل تطاردهم حتى النهاية.

ثالثاً: إلى جانب ذلك يبدو أن اولمرت أصبح قلقاً من توصل الفصائل الفلسطينية إلى تفاهمات واتفاقات، وبالتالي فإن اجتياح غزة، وربما الضفة الغربية، سيعيد الفلسطينيين إلى المربع (الأول)، حيث الخلاف حول جدوى المقاومة وآلياتها وعلى شروط واشنطن وأوروبا لقبول حماس وتشكيل حكومة وحدة وطنية.

وتبقى نقطة رابعة وهي أن إخراج الحكومات العربية من حلبة التدخل إلى جانب الفلسطينيين أو التعاطف معهم ومساعدتهم، سواء عن طريق إحراجهم أو الضغط عليهم، هو الهدف الذي يمكن أن تصنعه عملية الاجتياح المبررة بأسر الجندي الإسرائيلي، والمغطاة بدعم أميركي.

الحقيقة أن اولمرت لم يستفد من تجربة من سبقه من قادة إسرائيل الذين جربوا الاجتياحات والقتل، وانتهوا إلى الاعتراف بأن كسر إرادة الشعب الفلسطيني غير ممكن على الإطلاق.

لكن الذي يخشى منه في المستقبل القريب هو أن يجد اولمرت في المناخات الداخلية الفلسطينية والخارجية العربية والدولية ما يساعده على إنجاز بعض ما يفكر به ولا يجد أحداً يجرؤ أن يقول له كفاك خرقاً لما يسمى بالقوانين والأعراف الدولية. وهذا بصراحة أصبح واردا إن لم يكن قد أصبح قدراً.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com