في المذاهب السياسية المتنوعة، ابتكرت الحرب الباردة بتسليط الإعلام والتجسس، واعتماد الإشاعات كأساليب ضغط على العدو، وقد كان أشرس المعارك ما روّجه النازيون، ثم ما جرى بين الشرق والغرب كطرفين في نزاع أيدلوجي، مدرع بقوى الأحلاف، وسباق التسلح.
أمريكا استعملت هذه الأسلحة بكثرة، وبشكل علمي مستغلة تطورها التقني وسلطة إعلامها الرهيب، واللذين عملا على المساهمة في إسقاط الامبراطورية السوفيتية، ومن ثمَّ جاءت عقيدة تركيب العالم وفق النهج الأمريكي، وطبعه بسلوكها، وتقاليدها، بمسخ ثقافات الآخرين باستعمال مختلف الحملات والواجهات السياسية والاقتصادية، لتحتل صدارة السياسة الأمريكية.
وحتى نصل إلى بعض الغايات في تلك الحروب، فإن أمريكا ضخمت شخصية صدام حسين كأحد رموز الشر، وتهديد الأمن العالمي، حين بالغت بمستوى جيشه واعتباره الثالث عالمياً بين الجيوش الرئيسية، وأنه على وشك الوصول إلى السلاح النووي، كتمهيد للغزو ومن ثمَّ التورط الكبير.
وعلى المنوال ذاته وضعت كاسترو كأحد الرموز الخطيرة على أمريكا الشمالية والجنوبية، مع أن حدود قوته، لا توازي نصف مدينة صغيرة في الدولة العظمى وقد سبق حرب فيتنام وكتهيئة الدور لغزوها، وإقناع الشعب الأمريكي صاغت الحكومة أساليب استطاعت من خلالها تحريك آلتها الهائلة التي انتهت بالهزيمة.
العديد من الدول والشخصيات، والمنظمات كانت هدفاً للتضخيم والمبالغة وقد جاء الزرقاوي كآخر (النمور) في السيرك الجديد حيث أعطته أمريكا ما لم يقم به أكبر إرهابي بالتاريخ، وبقتله عمَّ الاعتقاد بزوال السيارات المفخخة، أو الخطف أو القتل، ومع ذلك أطلت حالات عدم الأمن بالعراق، أذ فاقت في الأيام الماضية أعداد التفجيرات وحالات الأمن المهزوز، بعض أيام الزرقاوي عندما كان حياً.
منذ سنوات والشد بين أمريكا وإيران قائم وهناك تصعيد بشن حروب عليها، أو ضرب منشآتها النووية بغارات منتقاة، وقد يندرج هذا التضخيم بنفس السيناريوهات القديمة، ويقاربها صاروخ كوريا الشمالية عابر القارات الذي جيّش حلف الأطلسي، وكوريا الجنوبية، واليابان، وجعل القواعد العسكرية في حالة تأهب، ثم جاءت الصومال لتدخل الحسابات الساخنة بوصول المحاكم الشرعية إلى العاصمة مقديشو وتهديد الضواحي، واعتبارها خطاً متقدماً للقاعدة، وامتداداً للمنظمات الإسلامية الموسومة والمتهمة بالإرهاب.
اختراع العدو عملية سهلة، والاستجابة الشعبية والدولية لا تحتاج إلا لدور سياسي وإعلامي، وضغط مباشر حتى يسعى الشعب الأمريكي مثلاً إلى مباركة خطوات الدولة واعتبارها المتصرف القانوني، وهنا جاءت الأخطاء أكبر من المكاسب، والدائرة طويلة، لكن النتائج لا تزال مجهولة.