ذهبت إلى الكويت أسبوع الانتخابات للاطلاع على تجربتها الديمقراطية عن كثب والتعلم من المرشحين حول كيفية إدارة الانتخابات. ما رأيته في الكويت أثار إعجابي وتساؤلاتي في آن واحد؛ من أين لهم تلك الجرأة والتنظيم والانطلاقة الواضحة نحو الإصلاح؟.. إصلاح بلدهم ومجلسهم وقوانينهم واستبدالها بأخرى حديثة تتناسب مع واقعهم فكأنهم ينطلقون راكبين القطار السريع متحدين قبائليا وطائفيا بل حتى فروق الأجيال قد زالت.

شباب في عمر الزهور ملتحفين بالشارة البرتقالية رمز الحركة التصحيحية التي صمموا على خوضها لإصلاح مجلس الأمة وتحويل الدوائر إلى خمس. لماذا خمس دوائر فقط بدلا من عشر أو 25 دائرة كما هي حاليا ؟ عندما استقلت الكويت عام 1962 وتم وضع النظام الأساسي للدولة من قبل أعضاء منتخبين طلب الكويتيون ان تكون الدوائر واحدة فقط وبعد نقاش مطول اتفق الجانبان: الأعضاء المنتخبون والحكومة على ان تكون 10 دوائر.

وفي عام 1980 جرت انتخابات وتم تفتيت الدوائر إلى 25 دائرة لزيادة التشرذم بين الكتل الانتخابية وتعزيز الطائفية والقبلية وهكذا فقد خسرت المعارضة تلك الانتخابات. ولكن في الوقت ذاته نشأت حركة شعبية تعارض هذا التقسيم ومع مرور الأيام ازداد عدد النواب المعارضين لتقسيم الدوائر الحالي وتشكلت كتلة من المجلس تؤيد مبدأ التقليص

إلا ان التطور المهم هو تشكيل لجنة في نوفمبر 2005 تتكون من 11 شخصا: 6 وزراء حاليين و5 وزراء سابقين اقترحوا نظاما يجمع كل 5 دوائر في دائرة واحدة وماطلت الحكومة في تطبيق هذا المقترح. عندها نشأت حركة شبابية مكونة من تنسيق طلابي وتجمعات سياسية للمطالبة بتقليص الدوائر ومحاربة الفساد واستعملت أساليب مختلفة لتثبيت موقفها واستقطاب اعداد اكبر من المناصرين مثل إضاءة أنوار السيارات في النهار والتجمع عند البحر او قضاء الليل قرب مجلس الأمة.

وسوف يذكر التاريخ ان الشباب والنساء كانا أهم عاملين وراء نجاح المعارضة في اكتساح الانتخابات. الآن وبعد انتصار المعارضة، بالرغم من عدم نجاح أهم رموزها أمثال المناضل عبدالله النيباري، وزيادة إعداد نوابها من 29 إلى 35 فقد يستحيل على الحكومة المضي في إصرارها على عدم الاستجابة لمطالب المعارضة وأهمها تقليص الدوائر وعدم إدراج أسماء بعض الوزراء المتهمين بالفساد في تشكيلة الحكومة المقبلة.

ان أهم النتائج التي برزت بعد انتهاء المعركة الانتخابية هي عدم نجاح أي امرأة ترشحت للانتخابات بالرغم من تميز بعضهن وبالرغم من الحضور الكثيف في نسبة التصويت لدى النساء حيث بلغت 65% من المجموع وكان عدد النساء الناخبات 195 الف امرأة مقابل 145 ألف رجل ولكن ذلك يرجع في رأيي إلى عدة عوامل أولها وأهمها عدم وجود تنظيمات سياسية حزبية رسمية في الكويت بحيث يطرح التنظيم سيدات من ضمن قائمته وثانيها عدم وجود تكتلات نسائية قوية مثل الجمعيات النسائية او الاتحاد النسائي فبقيت أصواتهن مبعثرة تأتمر بأمر ذكور العائلة في عملية الانتخاب.

ان ضعف التنظيمات السياسية والنسائية سيبقى حجر عثرة في أي محاولة لتوصيل امرأة إلى المجلس حتى في الدورات المقبلة وعلى الكتلة السياسية المنتشية بالنصر حاليا ان تعمل داخل المجلس على إصدار تشريع للسماح بتشكيل الأحزاب السياسية فمن دونها سوف تتشرذم المعارضة مرة أخرى.

وقد ذكرتني حركتهم بحركة عام 1956 في البحرين عندما حدثت الانتفاضة الشعبية الكبرى في تاريخ البحرين وكان الفضل فيها لاتحاد الطائفتين، عندها ذابت الفروقات الطائفية والطبقية في فورة سياسية تطالب بالإصلاح ولكن الحركة لم تنجح وتم القضاء عليها لسبب مهم ذكره المرحوم فؤاد خوري في كتابه عن البحرين «لم يكن هناك تنظيم سياسي حزبي وراء الحركة وسوف تفشل جميع الحركات القادمة ان لم يكن وراءها تنظيم».

حتما ان الزمان غير ذاك الزمان، وخمسون عاما تفصل الحركتين ولكن هذا الزخم والرغبة في الإصلاح اللذين يعتريان شعب الكويت الذي ذاق صدمة الاحتلال وتحرر وها هو الآن يستعيد تقدمه ووعيه السياسي ويختار نوابه الذين سيحققون له بعض مطالبه. كل ذلك سوف ينعكس بصورة أو بأخرى على بقية المنطقة مستقبلا.